رأي

السودان بين عنصرية النخب وحرب الامتيازات

نجم الدين دريسة

الحقيقة التي لا تخطئها عين أن الخطاب العنصري في السودان لم يكن وليد اليوم، ولا حتى وليد ما بعد الاستعمار، بل سبق ذلك بكثير، وهو متجذر في العلاقات بين المكونات السودانية نفسها. وقد عبّر الشاعر الحاردلو عن هذه النزعة منذ وقت مبكر حين قال:

“ناسن قباح من دار غرب يوم جونا
سوو التصفية ومن البيوت مرقونا
أولاد ناس عزاز زي الكلاب سوونا
ويا يابا النقس ويا الانقليز الفونا”

هذه الأبيات تكشف بجلاء أن النزعة العنصرية كانت متأصلة في الوجدان الاجتماعي؛ إذ ينظر الشاعر إلى “أهل الغرب” بوصفهم غرباء وطارئين، بل يصفهم بـ”الكلاب”، وهو توصيف ينزع عنهم إنسانيتهم. الأسوأ من ذلك أنّه يستدعي الاستعمار الإنجليزي نفسه كحليف في مواجهة هؤلاء، ما يفضح طبيعة التواطؤ بين النخب التقليدية والقوى الخارجية لحماية الامتيازات التاريخية.

هذا الخطاب الشعري لم يكن مجرد كلمات، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى عقلية سياسية ومؤسسية مارست أبشع أشكال العنصرية والإقصاء. فقد ظلت الدولة السودانية النخبوية تُدار من خلال مركزية ضيقة مرتبطة بكيانات اجتماعية محدودة، بينما أقصت شعوب الهامش من السلطة والثروة والقرار السياسي. ونتيجة لذلك، لم تعرف البلاد مؤسسة قومية حقيقية، لا في الجيش، ولا في الخدمة المدنية، ولا في الأحزاب، ولا حتى في منظمات المجتمع المدني.

الحرب الحالية جاءت لتكشف هذه الحقائق على نحو أكثر فجاجة. فهي ليست حرب الإسلامويين وحدهم، بل حرب العنصريين أيضًا الذين مارسوا أبشع أشكال القتل على أساس الهوية، من “قانون الوجوه الغريبة” إلى القصف الجوي للمناطق المأهولة، بدعم من طيران مصري واستخدام للأسلحة الكيميائية والمحظورة دوليًا. لقد شهدت الأسواق والمراكز المدنية في دارفور وكردفان مجازر مروعة، كما في محرقة طرة التي راح ضحيتها المئات.

كان يمكن لهذا البلد، بما يملكه من تنوع إثني وثقافي ولغوي، أن يكون نموذجًا في الوحدة والتعايش لو أحسنت النخب استثمار هذا التنوع. لكن النخب واصلت احتكار السلطة، وحوّلت التمثيل إلى مجرد رمزية مضللة، فيما كرّست الحركة الإسلاموية هذا الانقسام وزادت حدّته، حتى بدا وكأن انقسامها ذاته ذو جذور عنصرية أكثر من كونه سياسيًا.

ولعل ذلك ما يفسر اصطفاف بعض المثقفين مثل د. عبدالله علي إبراهيم، ود. محمد جلال هاشم، والواثق كمير، مع الإسلامويين وجيش ونجت باشا. فقد سقطت أوراق التوت التي طالما غطّت عنصريتهم، وباتت الحرب كاشفة لامتيازاتهم التاريخية. أما الذين تظاهروا بالحياد وحاولوا التفريق بين الجيش والإسلامويين، فإنهم تناسوا أن الجيش ظل لأكثر من ثلاثة عقود رهينة لجماعة الإخوان المسلمين وذراعًا عسكريًا لها.

إن كل هذه المواقف ليست إلا توزيع أدوار يهدف في النهاية إلى شيطنة قوات الدعم السريع، تلك القوات التي انحازت للثورة الشعبية، وتصدت لمشروع الإسلامويين والعنصريين معًا. ومهما قيل، ستظل قوات الدعم السريع في نظر الشعوب المهمشة رمزًا للتحرر الوطني من نير الامتيازات التاريخية والعنصرية البغيضة.

كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضو الشمس من رمد
وقد ينكر الفم طَعم الماء من سقم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!