رأي

سودان الوعي: حين يصبح الوطن مشروعًا للبناء لا حلمًا مؤجلًا

عابدة مختار

 

عابدة مختار

الأوطان لا تُشاد بالأمنيات، ولا تُحمى بالشعارات، بل تُبنى بكفاءة الوعي وصلابة الإرادة. فالوطن ليس مجرد رقعة جغرافية تحدها الخرائط، ولا مجرد كيان سياسي تُعرّفه الدساتير، بل هو المعنى العميق الذي تتشكل فيه هوية الإنسان، وتنمو داخله ذاكرته الجمعية، وتُصاغ على أرضه أحلام الأجيال. إنه الحيز الذي ترتبط به جماعة بشرية برباط المواطنة، فيمنحها الإطار القانوني والسيادي للحماية والكرامة، ويستوجب منها في المقابل الولاء الصادق، والعمل الدؤوب، والمشاركة المسؤولة في بنائه واستقراره.

غير أن البعد الأهم في مفهوم الوطن هو بعده السوسيولوجي؛ أي ذلك الانتماء الحي الذي يصوغ الوجدان الجمعي، ويجعل من التنوع مصدر قوة لا سبب فرقة. فالوطن ذاكرة مشتركة من اللغة والعادات والقيم، وسردية متراكمة من الألم والأمل، وتطلعات مستقبلية تتجاوز حدود الأفراد لتصير مشروع أمة. وفي الحالة السودانية، يتجلى هذا المعنى بأبهى صوره؛ إذ يشكل التنوع الثقافي والإثني ثراءً حضاريًا فريدًا، يمنح السودان خصوصيته ويؤهله ليكون نموذجًا للتعايش الخلاق.

لقد مضت أعوام طويلة من عمر هذا الوطن الشامخ، حُشدت فيها الأمنيات، وارتفعت فيها الشعارات ببناء سودان الريادة والصدارة إقليميًا وعالميًا. لكن الطريق إلى تلك الغايات لم يكن مفروشًا بالورود؛ فقد اكتنفته المخاطر، وأُزهقت فيه أرواح، ودفعت أجيال أثمانًا باهظة في مواجهة الاستبداد واحتكار الثروة وتغوّل السلطة. ومع ذلك، ظل الحلم حيًا في صدور المؤمنين بأن السودان يستحق أفضل مما كان.

وجاءت لحظة فاصلة أعادت تعريف المشهد، لحظة أعلنت القطيعة مع الزيف، وفتحت الباب أمام مساءلة الماضي، واستشراف المستقبل بعين أكثر وعيًا. لم تكن مجرد حدث عابر، بل صرخة مدوية في وجه التدليس، ورسالة واضحة بأن بناء السودان الجديد لا يتم بردود الأفعال، بل برؤية استراتيجية وأهداف محددة، وبنفوس لا تعرف الهوان، وعقول تدرك أن الوطن أكبر من المصالح الضيقة.

إن ميلاد حكومة تأسيس رشيدة، تستند إلى الكفاءة والنزاهة وتضع الوطن أولًا وأخيرًا، يمثل ضوءًا في آخر النفق. فالسودان، بما يملكه من موارد طبيعية هائلة، وأراضٍ خصبة، وموقع استراتيجي، وطاقات بشرية مبدعة، ليس بلدًا عاديًا؛ إنه قارة بحد ذاته، وسلة غذاء قادرة على الإسهام في أمن العالم الغذائي. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى نهضة حقيقية إلا إذا أُديرت بعقلية مؤسسية، وعدالة شفافة، ورؤية تنموية شاملة لا تميز بين مواطن وآخر.

إن بناء سودان صلب، عصيّ على الاختراق، لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بترسيخ ثقافة المواطنة، وتعزيز سيادة القانون، وإعلاء قيمة العمل، ومأسسة الحوار. حينها فقط سيقول السودان كلمته داوية بين الأمم، لا باعتباره تابعًا أو هامشًا، بل فاعلًا ومؤثرًا.

الوطن ليس حلمًا مؤجلًا، بل مسؤولية يومية. وإذا كان الماضي قد حمل دروسه القاسية، فإن المستقبل يفتح أبوابه لمن يملك الوعي، ويؤمن بأن الأوطان تُبنى بالفعل، لا بالأمنيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!