
عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
ما يُعرف اليوم بالجيش السوداني ليس سوى أضخم مليشيا عرفتها القارة الأفريقية، كيان تشكّل على أنقاض الدولة وتحول إلى أداة قتلٍ ممنهج ضد الشعوب السودانية، وسجلّه حافل بالجرائم والانتهاكات التي تندى لها جباه الإنسانية. لقد ظل هذا الجيش يمارس الإرهاب بأشكاله كافة، مستخدمًا الأسلحة المحرمة دوليًا ضد المدنيين، ومنغمسًا في السياسة والاقتصاد حتى صار مؤسسة احتكارية تُدير البلاد بعقلية النهب والوصاية، لا بعقلية المؤسسة الوطنية.
في يناير من العام الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قيادات من هذا الجيش بسبب تورطهم في هجمات ضد المدنيين. كانت تلك الخطوة بمثابة شهادة دولية دامغة على حجم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها بحق الأبرياء العُزّل الذين لا حول لهم ولا قوة. ومع ذلك، ظلت المنظمات الحقوقية والإنسانية تلتزم صمتًا مذهلًا، كأنها لا ترى هذا النزيف المستمر ولا تسمع أنين الضحايا الذين تطاردهم طائرات القتل في قراهم ومدنهم.
جيش البرهان الذي اختطفته جماعة الإخوان المسلمين وكتائبها الإرهابية يمارس اليوم أبشع أنواع القتل الممنهج، بمساندةٍ من سلاح الجو المصري الذي يشارك في تنفيذ غارات جوية تُبيد المدنيين بلا رحمة. هذا التحالف الدموي أعاد إلى الأذهان أكثر فصول التاريخ ظلامًا، حيث يقف الجيش منذ أكثر من سبعة عقود في وجه الشعوب والقوميات السودانية المختلفة، خصوصًا المجموعات الأفريقية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق.
وعندما لاحت بارقة أملٍ لهذه الشعوب المهمشة عبر قيام تحالف السودان التأسيسي الذي ضم أصحاب المصلحة الحقيقيين لتأسيس دولة عادلة ومستدامة، تحركت الدولة المركزية مدعومة بمحور الشر — من تركيا وقطر وإيران وبعض الأنظمة العربية التابعة — لإجهاض هذه التجربة الوليدة، ورفضت قيام حكومة أهل المصلحة التي تمثل أطياف الشعب المتعددة. بل ذهبت هذه الدول إلى أبعد من ذلك، بتقديم دعمٍ عسكريٍ مباشر لاستهداف السودان في شعوبه، في محاولةٍ يائسةٍ لإبقاء البلاد تحت هيمنة دولة الامتيازات التاريخية.
لكن ما لا تدركه هذه الأنظمة أن إرادة الشعوب لا تُقهر مهما تكالبت عليها الأعداء. فالشعب السوداني الذي خبر القهر والخذلان قرنًا من الزمان، بات أكثر وعيًا بمصالحه وبحقه في أن يحكم نفسه بنفسه على أسسٍ من العدالة والمساواة.
لقد أشعل فلول النظام السابق هذه الحرب بغرض إجهاض الثورة الشعبية والعودة إلى السلطة فوق جماجم ودماء الأبرياء. وشنّ طيران الجيش، بمشاركة واسعة من سلاح الجو المصري، غاراتٍ كثيفة ومتواصلة على المدنيين، فقتل وجرح الآلاف في سلوك بربري وانتقائي يفضح عمق الانحطاط الأخلاقي. لم تكن تلك الجرائم طارئة أو معزولة، بل استمرارًا لنهجٍ متجذرٍ في تاريخ هذا الجيش الذي ارتكب المجازر منذ القدم، من جنوب السودان إلى دارفور، حيث قُتل الملايين من النساء والأطفال والعجزة بلا وازعٍ من ضمير.
إن ما يعرف بالجيش السوداني هو أصل البلاء ومنبع الأزمات، فقد صنع الانقلابات، واحتكر السلطة والثروة، ونهب الموارد، وصادر أحلام الشعوب في الحرية والعدالة. وما تفعله كتائب البراء الإرهابية اليوم من ذبح للبشر وبقر للبطون ليس إلا امتدادًا لتلك المدرسة الهمجية التي أسست لثقافة الموت، حتى باتت جرائمهم تفوق في وحشيتها كل ما عرفته أفريقيا من مآسٍ. إنهم، كما وصفهم الشهيد محمود محمد طه، “يفوقون سوء الظن العريض”.
وما حدث مؤخرًا في منطقة طرة، من قصفٍ بالبراميل الحارقة والفسفور والأسلحة المحرمة دوليًا، وراح ضحيته المئات من المدنيين الأبرياء، ما هو إلا دليل دامغ على أن هذا الكيان العسكري فقد كل ما يربطه بالإنسانية. إنها مجزرة أخرى تضاف إلى سجلٍ طويلٍ من الفظائع التي ارتكبها جيش جنت باشا، جيشٍ استمرأ الدماء حتى صار القتل عقيدته الوحيدة.
والمؤسف أن كثيرًا من منظمات المجتمع المدني السوداني ظلت تتواطأ بالصمت، بل وتُسوّق سردية “الجيش الوطني” التي لا تقوم على أي منطق موضوعي. هي خرافةٌ صُنعت بعناية لتغسل العقول، حتى إن بعض الحركات التي ناضلت ضد الدولة المركزية لعقود، وجدت نفسها في النهاية مصطفةً إلى جانب الجلاد، تبرر جرائمه باسم الوطنية الزائفة.
إن ما يحدث اليوم يضع السودان أمام لحظة وعيٍ فاصلة: إما الاستسلام لميليشيا الدم التي تُعيد إنتاج ذات النظام المريض، أو الشروع في تأسيس جيش قومي جديد يقوم على عقيدة وطنية تحمي حدود البلاد لا سلطة الحكام، وتعكس التنوع السوداني بكل أبعاده الجغرافية والثقافية والإثنية.
وذلك هو ما يطرحه تحالف السودان التأسيسي في مشروعه لبناء دولةٍ جديدة تستمد شرعيتها من إرادة الشعوب، لا من البندقية ولا من وصاية الخارج. دولةٌ تؤمن بالسلام والعدالة والمواطنة المتساوية، وتقطع الطريق على كل من يظن أن السلاح يمنحه شرعية البقاء.
إن إرادة الشعوب لا تُهزم، ومهما بلغ حجم التآمر، فإن النهاية الحتمية واضحة: سيعلم الظالمون أي منقلبٍ ينقلبون.




