رأي

كيماوي الفاشر دعاية سوداء وأكاذيب الهوس السياسي

د.حواء بشير الزاكي

 

حواء بشير الزاكي 

قبل أن نغوص في نهرٍ من الاتهامات والتصريحات المتبادلة، لا بد من أن نقول بصراحةٍ موجزة وواضحة: ما يُروّج الآن من أن قوات الدعم السريع استخدمت سلاحاً كيميائياً في دارفور ليس إلا حملة دعائية سوداء أعدّتها وأطلقتها جماعات الهوس الأيديولوجي وبعض دوائر الإعلام المموّل لتغطية هزيمةٍ ميدانية أو لتبرير انسحاب مخجل. هذه الرواية المكررة — التي تتصاعد كلما انكشف أمر خيبة أو انهزام — تحمل كل سمات التضليل: لغة عاطفية خالية من أدلة طبية موثقة، شهود غامضون، وتسرّع في إطلاق أحكام لا تستند إلى تحقيق محايد ومستقل.

من يراقب جيدا مشهد الصراع يرى نمطا متكرراً: حين تضيق الخناق على تشكيلاتٍ أو خطوط إمداد، تُختلق قصةٌ عن خطرٍ ساحق مستجدّ يُهدّد السكان، لتبرير انسحاب أو إعادة تموضع أو لتلوين هزيمةٍ كـ”اجتذاب إنساني”. هذه المناورة ليست جديدة؛ هي فن قديم في قواعد الحرب النفسية: إقناع الجمهور بأن الانسحاب فعلٌ مسؤول وإنساني، وليس هزيمةً نكراء.

أشد ما يدهشني في هذا السياق هو سرعة الترويج وقصر النفس لدى بعض الجهات التي تعلن الخبر كحقيقة مفروغ منها، دون انتظار تحقيقات طبية أو تقارير مختبرية مستقلة. هذا التسرع نفسه يشي بأن القصة هي أداةُ تسويقٍ سياسي لا أكثر. وفي مسرحية كهذه يصبح من السذاجة الاعتقاد بأن الحقيقة ستُكشف عبر بيانٍ متسرّع في وسائل التواصل قبل أن تُجرى الفحوصات العلمية وتحلل العينات وتُستجلب شهادات طبية موثوقة.

لكن الأمر لا يتوقّف عند كونها دعاية؛ فثمة قراءة أعمق وأخطر. ما يُنشر اليوم عن “الكيماوي” يبدو لي كمحاولة لتبييض صفحة جهة انتكست عسكرياً وتحويل مرآة الاتهام إلى صورة ضحايا. تحويل الهزيمة إلى عمل “إنساني” يخضع لمنطق الدعاية: إيهام الجمهور بأن ما جرى من انسحابات أو تراجع كان لمنع كارثة، لا نتيجة فشلٍ ميداني. هذه الحيلة لن تنطلي على شعبٍ زهقت كرامته من سنوات القمع وذووته في ساحات المعركة، فالفاشر الصغيرة والقرى المحاصرة تعرف جيدا من الذي يقصف ومن الذي يسقط.

وبنفس الوقت، لا يمكننا أن نتجاهل سجلات طويلة وحوادث موثّقة تُظهر أن استخدام الأسلحة المحرّمة لم يكن يوماً حكراً على طرفٍ واحد داخل هذا البلد. التجارب المريرة في مناطق عدة تُثبت أن منطق الحروب هنا استُخدمت فيه كل الوسائل الرهيبة لترويع السكان، وهذا ما يجعلنا متوجّهين للمطالبة بتحقيقات مستقلة ومحايدة وسريعة. أما إطلاق الاتهامات على عواهنها لصالح رواية سياسية ضيقة فهو تقزيم للحقيقة وتشويه للضحايا.

إن إنكار هذه الأكاذيب لا يعني التهاون مع أي جريمة مُحتملة. على العكس، كل مزاعم استعمال أسلحة محرمة يجب أن تُبحث باحترام علمي وقانوني كامل، وأن تُعالج عبر آليات تحقيق وطنية ودولية شفافة. فالتعامل مع ملفٍ بهذا الوزن الأخلاقي والقانوني لا يقبل أي تلاعب إعلامي أو سياسوي. ومن هنا يأتي النداء الواضح: استدعاء خبراء مستقلين، فحوصات مخبرية معتمدة، وثائق طبية، وشهادات موثقة تُنشر علناً أمام الرأي العام، لا بياناتٍ متسرعة تُخلط بين الحرب النفسية وحقائق الميدان.

وأخيرا، على كل من يهمه أمر السودان أن يدرك أن تكرار الأكاذيب لن يغيّر الحقائق. الشعب السوداني ليس غافلاً، فقد بات يتذوق مرارة التضليل ويعرف أصحابه. إن تسويغ الهزيمة بدعاية الكيماوي لا يحرر أحداً من مساءلة التاريخ، ولن يمحو آثار السقوط الميداني ولا أثر الدماء التي رُميت عبثاً. لذا نطالب بأن تُعاد الأمور إلى نصابها: تحقيقات موضوعية، مساءلة حقيقية، ورفض أي محاولة لاختلاق ذرائع سياسية على حساب الحقيقة والعدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!