رأي

أسامة حسن حسين.. حين يصبح الشاب وطنًا وتمضي الروح لتبقى السيرة

فتحية ديدان

 

فتحية ديدان 

أمينة المرأة بالقوي المدنية المتحدة قمم 

في لحظات الفقد الكبرى، لا تبكي المدن وحدها بقم ، بل تبكي القرى والبوادي، وتنوح الذاكرة الوطنية على رحيل من كانوا أكبر من أعمارهم، وأوسع من حدود حضورهم. هكذا كان أسامة حسن حسين؛ شابًا بدأ نجمه صغيرًا، لكنه سرعان ما تلألأ في سماء الوطن حتى غدا اسمًا لا يُنسى في ذاكرة النضال والعمل الإنساني.

عرفناه أول مرة في الخرطوم، حين جاءت قوافل الجرحى من الجنينة عقب أحداث غرب دارفور المؤلمة. لم يكن أسامة يومها سوى شاب يافع، لكنه كان يحمل روح قائدٍ مكتمل. يطوف بين الجرحى، يواسي هذا، ويخدم ذاك، دون أن يسأل عن انتماء أو جهة. كان يرى الإنسان أولًا، ويؤمن أن الألم لا يُقسَّم على الهويات.

في تلك الأيام، تشكّلت أولى لجان رعاية الجرحى والمصابين، وكان أسامة أصغرنا سنًا، لكنه الأكثر نشاطًا وإصرارًا. تحوّلت المستشفيات إلى بيوت، وأصبحت خدمة المصابين شغله الشاغل. ظل حاضرًا، مبتسمًا، بشوشًا، يحمل في قلبه طاقة لا تنضب، حتى بعد أن تم الصلح في الجنينة، مكث هناك قرابة الأشهر الثلاثة، لم يغادر الجرحى حتى تعافوا جميعًا، وظل يعاملهم كأخٍ وابنٍ وصديق.

لم يكن أسامة مجرد ناشط ميداني، بل كان صاحب رؤية. فبعد انتهاء تلك المرحلة، بادر بجمع اللجنة وطرح فكرة إحياء التراث المحلي، فكان مشروع “أنغام بوادينا”، الذي تحوّل إلى فعالية ناجحة في الساحة الخضراء، عكست روح التعايش وأعادت الاعتبار لثقافة الناس. كان ذلك المشروع شاهدًا على قدرته على تحويل الألم إلى أمل، والانقسام إلى مساحة جامعة.

واصل أسامة مسيرته العملية بثبات، وحقق نجاحًا ملحوظًا قبل اندلاع الحرب، لكنه ما إن اشتعلت حتى كان في الصفوف الأمامية، حاضرًا حيث يكون الواجب. ثم انتقل إلى العمل السياسي، فكان ضمن المجلس الاستشاري، مستشارًا لدائرة الشباب، حيث قدّم إسهامات مقدّرة، قبل أن يوسّع دائرة نشاطه بالمشاركة في تأسيس مشروع السودان الجديد.

رحيل أسامة حسن حسين ليس خسارة شخصية أو تنظيمية فحسب، بل هو فقدٌ جلل للأمة السودانية، ولجيلٍ كان يرى فيه نموذجًا وقدوة. لقد كان صورة للشاب الذي يجمع بين الإنسانية والفعل، بين الحلم والعمل، وبين البساطة والالتزام.

نمضي ونحن نحمل سيرته في وجداننا، ونسأل الله أن يتقبله في عليين، وأن يجمعنا به في جنات النعيم، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!