
عباس احمد السخي
في زمنٍ تتهاوى فيه القيم وتتبدل المعاني، يبرز المحامي أبو بكر منصور نموذجًا نادرًا للثبات الأخلاقي في وجه العاصفة. حين دخلت قوات الدعم السريع مدينة سنجة، وتهاوت مؤسسات الدولة، واختفى من كان يفترض أن يكونوا حُماة للمواطنين، اختار أبو بكر ألا يغادر. رفض الرحيل لا بدافع التحدي أو السياسة، بل لأسبابٍ إنسانية وأسرية وأخلاقية خالصة؛ إذ رأى أن بقاءه ضرورة تمليها عليه مسؤوليته تجاه أهل مدينته الذين تقطعت بهم السبل وحاصرهم الخوف والجوع والمرض. في وقتٍ عمّت فيه الفوضى واشتد فيه الحصار، كان أبو بكر يدير صيدلية عائلية أصبحت الملاذ الوحيد للمرضى والمحتاجين. لم يكن مالك أدوية فقط، بل كان شريان حياة لآلاف المرضى الذين يعانون من أمراضٍ مزمنة كالسُّكر والضغط والفشل الكلوي. ظل أبو بكر في قلب الخطر، يفتح أبواب الصيدلية ليل نهار، يوزع الدواء ويمنح الأمل ويواسي المكلومين، بينما فرّ المسؤولون والقيادات العسكرية، تاركين المدينة تواجه مصيرها المجهول.
لقد شهد سكان سنجة وأريافها على شجاعته وتفانيه، ويدركون أن بقاءه كان سببًا في نجاة الآلاف، في وقتٍ كانت الدولة الغائبة قد تخلت عنهم، تمامًا كما تخلت عن مدنٍ وقرى أخرى في عموم السودان.
غير أن هذا الموقف الإنساني النبيل تحوّل اليوم إلى تهمةٍ قاتلة. فقد حكمت سلطات الأمر الواقع على الأستاذ أبو بكر منصور بالإعدام شنقًا حتى الموت بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع. تهمةٌ جاهزة، مفصلة بعناية على مقاس كل من يختلف مع جماعة الهوس الديني التي عادت لتتحكم في أجهزة الدولة ومؤسساتها في بورتسودان.
هؤلاء الذين فشلوا في كسب احترام الشعب عادوا إلى سلاحهم القديم: تلفيق التهم، وتشويه السمعة، وتصفية الخصوم تحت غطاء “العدالة”. قبل صدور الحكم الجائر، تعرض أبو بكر لتعذيبٍ جسدي ونفسي مريع استمر شهورًا. ثم صدر ضده حكمٌ بالسجن المؤبد، لكن عندما حاول أهله ومحاموه استئناف الحكم، تم ترفيع العقوبة إلى الإعدام شنقًا! هكذا ببساطة، تتحول حياة إنسانٍ شريفٍ إلى ورقة مساومة في صراعٍ سياسي ملوثٍ بالدماء، وتتحول العدالة إلى مشنقةٍ معلقة باسم القانون.
إن مأساة المحامي أبو بكر منصور ليست سوى وجهٍ من وجوه الكارثة الوطنية التي يعيشها السودان اليوم. فقد تحولت الحرب إلى غطاءٍ واسع لتصفية الحسابات السياسية والفكرية، ووسيلةٍ لترهيب كل من يجرؤ على قول “لا” في وجه القهر والفساد.
إنهم يكررون ذات المشهد الذي شهدته البلاد في العقود الماضية: قمعٌ ممنهج، وإعداماتٌ صامتة، واغتيالاتٌ بدمٍ بارد، كما حدث لمائةٍ وعشرين شابًا في الخرطوم في يومٍ واحدٍ فقط، وكما حدث لأبناء الكنابي وغيرهم من ضحايا هذا الجنون المستعر.
الذين يقودون البلاد من بورتسودان اليوم ليسوا أكثر من واجهةٍ باهتة لجماعةٍ مهووسة بالسلطة والدين الزائف، أعادت إنتاج كل أشكال الإذلال التي ثار ضدها السودانيون في ثورة ديسمبر المجيدة. الثورة التي حلمت بالحرية والسلام والعدالة، وواجهت رصاصهم بصدورٍ عارية وإيمانٍ لا يتزعزع بأن الوطن يستحق التضحية.
أبو بكر منصور اليوم هو رمزٌ لهذه المواجهة بين قيم النبل والإنسانية من جهة، والانحطاط الأخلاقي والسياسي من جهة أخرى. إنهم يريدون قتله ليغتالوا فكرة أن الشجاعة ما زالت ممكنة، وأن الوطنية ليست تهمة، وأن خدمة الناس ليست جريمة. لكنهم ينسون أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب لا تنسى، وأن القاتل مهما تمكّن من إخفاء جسد الضحية، فلن يستطيع دفن الفكرة.
لقد آن الأوان لأن يرتفع الصوت عاليًا، لا من أجل بكري وحده، بل من أجل عشرات الآلاف من الأبرياء الذين يقبعون في سجون النظام في بورتسودان والخرطوم ومدني وسنجة وغيرها، يتعرضون للتعذيب والمهانة على يد سلطةٍ فقدت إنسانيتها.
نحن نناشد منظمات حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وكل المنابر الحقوقية الحرة بالتدخل العاجل لإنقاذ حياة هؤلاء، وفي مقدمتهم الأستاذ أبو بكر منصور، الذي يمثل اليوم ضمير مدينة بأكملها، وصوت إنسانيةٍ تحاول الصمود في وجه الخراب.
قد يقتل الطغاة جسد بكري، لكنهم لن يقتلوا فكرته، ولن يطفئوا نوره.
فكما قال الشاعر:
“الوحش يقتل ثائرًا
والأرض تنبت ألف ثائر،
يا كبرياء، إن متنا،
لحاربت المقابر.”




