
عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
أثار تصريح مبارك الفاضل المهدي الأخير، الذي زعم فيه أن حكومة “تأسيس” نهبت 15 مليار دولار من مصانع ومنازل وعربات وحلي ذهبية، استغراباً واسعاً وسخرية عارمة، ليس فقط لركاكة الطرح، بل لأنه يكشف عجز الرجل عن قراءة الواقع السوداني وتاريخ الحرب التي مزّقت البلاد.
فالكل يعلم أن الحرب الحالية لم تكن سوى مشروع إسلاموي بامتياز، أشعلته الحركة الإسلامية بغرض تصفية قوات الدعم السريع التي انحازت منذ البداية إلى ثورة ديسمبر المجيدة، ووقفت مع الانتقال المدني والاتفاق الإطاري، وسعت لتأسيس دولة عادلة تقوم على المساواة والمواطنة.
ومن العبث أن يتحدث الفاضل عن “منهوبات” ويغضّ الطرف عن جذور الحرب ومآسيها، وعن من أشعلها ومولها وسعى لإطالة أمدها
حديث مبارك لا يصدر من سياسي راشد، بل من رجل فقد البوصلة، يردّد بلا وعي خطابات الإسلامويين ويعيد إنتاج دعايتهم السوداء. فبدلاً من الوقوف ضدهم بوضوح، يخدم أجندتهم من حيث لا يدري.
ولمن لا يعرف، فإن مبارك هو نفسه الذي وصفه الإمام الصادق المهدي بأنه رجل بلا سقوف وطنية أو أخلاقية، تحركه مصالحه الذاتية ورغباته في المناصب أكثر من قضايا الوطن.
تاريخ مبارك السياسي شاهد على التلون والتقلب؛ فقد تحالف مع العسكر أكثر من مرة، وشارك في حكومات استبدادية، ثم خرج منها مهاجماً شركاء الأمس. كان وزيراً في نظام البشير، ثم عاد بعد إقالته ليزايد على خصومه بالحديث عن التطبيع مع إسرائيل، مستخدماً لغة سطحية لا تليق برجل دولة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يطلق فيها أكاذيب؛ فقد ادعى من قبل أن قوات الدعم السريع سرقت منزله ومجوهرات أسرته، ثم زعم أن الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) قُتل ودُفن، قبل أن يتراجع حين ظهر الرجل على شاشات العالم قائداً لجولاته الإقليمية، فحاول تبرير كذبته قائلاً إن “الذي ظهر أطول قليلاً من حميدتي”!
هذا التبرير الساذج جعل الكثيرين يرون فيه نموذجاً للهوس السياسي الذي بلغ حدّ الفضيحة.
إن تحالف تأسيس الذي يهاجمه مبارك اليوم، ليس سوى مشروع سياسي وطني يسعى لتصحيح مسار الدولة السودانية، ومعالجة الاختلالات التاريخية التي عمّقت التهميش وأضعفت مؤسسات العدالة والمواطنة. أما أمثال مبارك، فهم تجار أزمات يعيشون على بثّ الأكاذيب وتزييف الوعي العام، ويستخدمون الخطاب السياسي كأداة للابتزاز الشخصي.
والمفارقة أن مبارك الفاضل، الذي يتحدث عن النهب والفوضى، ينتمي إلى مدرسة النهب السياسي نفسها التي أسسها جده عبد الرحمن المهدي حين استغل سلطته الروحية والاقتصادية لتحويل أتباعه إلى طبقة عاملة في خدمة الإقطاع والسلطة المركزية، فيما ظلت مجتمعات الريف والهامش غارقة في الفقر والحرمان.
حديثه عن “منهوبات الخرطوم” ليس سوى دفاع عن امتيازات النخبة القديمة التي نهبت السودان لعقود طويلة، وحين هبّت الشعوب في ثورة ديسمبر، شعرت هذه النخب بخطر زوالها، فبدأت حربها الدفاعية ضد التغيير.
مبارك اليوم مجرد صدى باهت لعهدٍ يحتضر. يصرّ على الظهور في المشهد رغم إفلاس فكره وانتهاء صلاحيته السياسية. كل تصريح جديد له يضيف دليلاً آخر على أن السودان الجديد لن يُبنى بالعجزة ولا بالانتهازيين الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس.
لقد آن للسودانيين أن يدركوا أن معركتهم الحقيقية ليست مع الرصاص وحده، بل مع العقول القديمة التي ترفض أن ترى نور الوعي الجديد. ومبارك الفاضل واحد من رموز هذا العهد الذي لفظه التاريخ.




