رأي

وهم الشعارات وسقوط الإخوان في السودان

أبو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

منذ أن تسللت أفكار جماعة الإخوان المسلمين إلى السودان في أربعينات القرن الماضي، بدأت قصة طويلة من التضليل والشعارات البراقة التي أخفت وراءها نزعة سلطوية سعت لاختطاف الدولة الوليدة وتحويلها إلى أداة لخدمة التنظيم لا لخدمة الشعب.

مرت الجماعة بثلاث مراحل رئيسية شكّلت مسار سقوطها: مرحلة التنظيم في الأربعينات، حيث تمددت بهدوء عبر التعليم والدعوة، ثم مرحلة التنظير بقيادة حسن الترابي، التي تحولت فيها الحركة الإسلامية إلى مشروع سياسي يستخدم الدين غطاءً للسلطة والتمكين. أما مرحلة السقوط، فقد تجلت مع ثورة ديسمبر 2019 التي لم تُسقط نظاماً سياسياً فحسب، بل أسقطت مشروعاً فكرياً أخفق في بناء وطن وأحسن فقط في بناء السجون والمعتقلات.

كان انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 ذروة الانحراف، حين اختطف الإخوان جيش ونجت باشا وحولوه من مؤسسة وطنية إلى ذراع قمعية، أطاحت بالنظام المدني ودمرت فكرة الدولة السودانية الحديثة. تتابعت بعدها جرائم النهب والفساد والتهميش، وتفككت مؤسسات الدولة تحت شعارات زائفة عن “التمكين” و“تطبيق الشريعة”.

وخلال حكمهم، شهد السودان أسوأ فتراته؛ إذ أشعلوا حرب دارفور عام 2003 التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا، ثم ساهموا في تفجير الحرب الراهنة عام 2023 عبر تغذية الانقسامات داخل الجيش، مما جر البلاد إلى دوامة جديدة من الدماء والدمار.

لقد انكشف زيف الخطاب الإخواني حين تهاوى مشروعهم أمام وعي الشعب السوداني. فالجماعة التي وعدت بالعدالة كانت تمارس الإقصاء، والتي رفعت راية الشورى حكمت بالقهر، والتي تحدثت عن الزهد كانت تنهب ثروات الوطن.

واليوم، ومع محاولاتهم العودة إلى المشهد السياسي، يدرك السودانيون أن زمن الخداع قد انتهى، وأن بناء الدولة لا يكون بالشعارات الدينية بل بالعدالة والمواطنة والسلام.

لقد سقط مشروع الإخوان في السودان لأنه كان قائماً على الكذب والسلطة باسم الدين، ولأن الشعوب التي جرّبت الألم لن تنخدع مرة أخرى ببريقٍ كاذبٍ يرفع شعار الله ويعمل ضد الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!