
عبدالله محمد ادم
كمبالا
في مشهد يلخص مأساة السلطة في سوداننا.. يقف البرهان، القائد العسكري يعزي في رجل كان حتى الأمس القريب، يوحي للناس بانه خصماً وعدواً للثورة، متهما إياه بالفساد ومطالباً بالقبض عليه. لكن اليوم في جنازته يصفه بالرجل “الوطني”! وكأن الموت يمنح الأشرار صكوك غفران، ويحول اللصوص إلى أبطال!
لقد كان الراحل نموذجاً صارخاً لفساد نظام الانقاذ الاسلامي فحيثما حل حاكماً لولايةاو وزيرا لوزارة، حول الدولة إلى مزرعة لعائلته وشركاته،و جعل من أسرته مقاولاً وحيداً للحكومة، لينقلب عنده المواطنون إلى غنيمة، و الوطن إلى ساحة نهب. لكن السنن الإلهية لا تحابي أحداً.. فها هو يموت كما يموت العظماء و الضعفاء، تاركاً وراءه كل ما جمع من أموال ونفوذ وشركات.
و العبرة ليست في موته، بل في عجز الأحياء عن التعلم من الموت!
فها هو البرهان يقف عند جثمان من ادعي للناس بانه خصمه الأمس، لا ليعزي نفسه و أتباعه في حقيقة الموت، بل ليستخدم الجنازة منصة سياسية، يرسل رسائل للخصوم ليقيظهم حسب قوله و للأتباع أن الجميع “وطنيون” عندما يموتون! وكأن الوطنية أصبحت شهادة تمنح بعد الوفاة، لتغسل كل الجرائم وتنظف كل الأوساخ.
إنه المشهد نفسه يتكرر عبر التاريخ.. ففرعون يصبح رمزاً وطنياً في المتاحف، والقذافي بطلٌ شعبي بعد موته، وصدام حسين يتحول إلى أسطورة! لان الموت قد اصبح في ثقافتنا ليس نهاية، بل هو آلة لغسل الأوساخ وتلميع الصور الصدءة.
لكن الحقيقة المرة التي ينساها الجميع هي أن الموت لا يصنع الأبطال.. إنه فقط يكشف زيف الأحياء امثال البرهان، و أيضآ يكشف أن كل الصراعات الدموية كانت من أجل السلطة، و كل المناورات السياسية، وكل خطابات الوطنية الزائفة، تنتهي عند باب القبر.
إنهم يقتلون الناس و يشردون الشعوب من أجل كراسي ستهزمها السنن الإلهية الحتمية، يبنون الإمبراطوريات الوهمية على جماجم المواطنين، وينهبون ثروات البلاد ليتركوها وراءهم عندما يأتي الموت المحتوم ،و لن يناولوا الا شهادة وطنية مزورة من امثال البرهان في صيوان العزاء.
فإلى متى تبقى الشعوب أسيرة هذه الدوامة المأساوية؟ و متى تدرك أن الأبطال الحقيقيين هم الذين يبنون أوطاناً لا تموت بموتهم؟ وأن العظماء هم من يتركون إرثاً يبقى حين يذهبون؟
ان الموت قادم لا محالة.. لكن العار يبقى للأحياء الذين لا يتعلمون من موت الأموات.




