
مؤيد الأمين
منذ أبريل 2023، يعيش السودان واحدة من أعقد المآسي الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث. حرب دامية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني حولت المدن إلى أنقاض، وأغرقت ملايين المواطنين في نزوح داخلي وخارجي، ودفعت بالعديد من المدنيين إلى مواجهة الجوع والأوبئة. ما يجعل هذه الحرب استثنائية ليس فقط عنفها، بل استمرارها رغم كل الدعوات الدولية للتهدئة، مما يطرح سؤالًا محوريًا: لماذا لم تستطع القرارات الدولية، وخصوصًا من مجلس الأمن، وقف هذه المأساة؟
الإجابة تكمن في تداخل النفوذ الداخلي للإخوان المسلمين (الكيزان) مع مصالح إقليمية ودولية، ووجود شبكات اقتصادية واسعة تعتمد على الحرب نفسها كمصدر للربح، وهو ما جعل وقفها مكلفًا لمجموعة من الأطراف داخليًا وخارجيًا.
الإخوان المسلمون والسودان: جذور النفوذ وأداة الاستمرار في الصراع
الإخوان المسلمين في السودان ليسوا مجرد حركة سياسية، بل شبكة مؤسساتية وسياسية لها جذور عميقة في مؤسسات الدولة، وباتت قادرة على التأثير في قرارات أمنية واستراتيجية منذ سنوات طويلة. بعد ثورة ديسمبر 2019 وسقوط النظام السابق، لم يختفِ هذا النفوذ، بل استمر في الوجود من خلال تحالفات داخلية مع بعض القيادات العسكرية والسياسية، ما أتاح لهم القدرة على التحكم في مفاصل الدولة ومواردها.
هذا النفوذ سمح للإخوان بإشعال الحرب كأداة انتقامية، حيث يُنظر إلى الانتقال المدني الديمقراطي كتهديد مباشر لمصالحهم في الدولة، سواء كانت مالية أو سياسية، مما جعل الحرب وسيلة لحماية المكاسب القديمة وإعادة ترتيب السلطة وفق مصالحهم.
الدعم الإقليمي: مصالح وليست مجرد أيديولوجيا
الحرب في السودان لم تعد محلية فحسب؛ فقد استغل بعض الدول الإقليمية الانقسام السياسي لتوسيع نفوذها أو حماية مصالحها. تركيا وقطر، على سبيل المثال، ارتبطت بدعم سياسي ولوجستي لشبكات إسلاموية في السودان، في حين اتخذت دول أخرى مواقف متباينة حسب مصالحها الاستراتيجية، أحيانًا دعمًا، وأحيانًا ضغطًا محدودًا، ما أدى إلى خلق بيئة تسمح باستمرار الحرب.
الدعم الإقليمي هذا ليس بالضرورة أيديولوجيًا صريحًا، بل يُدار وفق حسابات النفوذ والسيطرة على الموارد الحيوية، بما فيها الموانئ، خطوط التجارة، والشركات المرتبطة بالذهب والنفط. أي استقرار حقيقي قد يضعف هذه الشبكات ويقلل من قدرة الدول الداعمة على التأثير المباشر، لذلك استمرارية الصراع تصب في صالحهم.
الاقتصاد العسكري: الذهب والسلاح كمحرك للحرب
إحدى أبرز أسباب استمرار الحرب هو الربحية الاقتصادية المباشرة للصراع. الذهب السوداني وموارد أخرى مثل النفط ومنافذ التهريب أصبحت مصدر تمويل ضخم للأطراف المسلحة. استمرار الحرب يسمح لهذه الشبكات بتأمين أرباح مالية هائلة، ما يجعل أي تسوية سياسية مهددة لتلك المصالح.
شبكات تجارة السلاح أيضًا لعبت دورًا حاسمًا، حيث يربط استمرار النزاع طلب دائم على الأسلحة والذخائر، ويغذي مصالح تجار أسلحة إقليميين ودوليين، ما يحوّل الحرب إلى مشروع اقتصادي قائم بذاته. كل هذه العوامل تجعل الأطراف المتورطة مستفيدة من استمرار الفوضى، ومقاومة لأي حل يهدد مكاسبها.
مجلس الأمن وصمت المجتمع الدولي
من المفترض أن يكون مجلس الأمن والأمم المتحدة أدوات لوقف النزاعات، لكن الواقع يشير إلى تأثر القرارات الدولية بالمصالح الكبرى للدول الدائمة العضوية. استخدام الفيتو أو التردد في فرض عقوبات حقيقية أعاق أي قدرة فعالة على إنهاء الحرب.
إضافة إلى ذلك، الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية لبعض الدول جعلت الاستقرار في السودان ليس أولوية، خاصة إذا كان هناك احتمال لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي أو إضعاف مصالح داعمي الحركات الإسلاموية. هذا الصمت الدولي العملي أعطى الضوء الأخضر للأطراف المحلية لمواصلة القتال دون عواقب فورية.
تأثير الحرب على مستقبل الدولة المدنية والديمقراطية
الحرب المستمرة تعرقل أي مسار نحو دولة مدنية ديمقراطية في السودان. الإخوان المسلمون وحلفاؤهم في الداخل والخارج يعلمون أن تقويض مؤسسات الدولة المدنية وإضعاف المجتمع المدني يحافظ على نفوذهم ويمنع مساءلتهم عن فسادهم وسيطرتهم السابقة على مؤسسات الدولة.
أي عملية سياسية انتقالية حقيقية تتطلب مؤسسات مستقلة، عدالة قضائية، وشفافية في إدارة الموارد. استمرار الحرب يضمن أن هذه العناصر ستظل معطلة، ويستمر استنزاف الشعب السوداني، وهو ما يحقق أهدافًا استراتيجية واقتصادية للإخوان وداعميهم.
نداء إنساني وسياسي
على الرأي العام العربي والدولي أن يفهم أن الحرب في السودان ليست مجرد صراع عسكري داخلي، بل نتيجة تداخل مصالح الإخوان المسلمين مع شبكات دولية وإقليمية، واستثمار اقتصادي دموي للحفاظ على مصالح خاصة على حساب ملايين المدنيين.
يجب الضغط على كل الأطراف، داخليًا وخارجيًا، لضمان:
1. وقف تدفق الأسلحة بشكل فعّال.
2. كشف ومحاسبة شبكات تهريب الذهب والموارد غير القانونية.
3. دعم الانتقال المدني الديمقراطي في السودان، مع إشراك المجتمع المدني في أي تسوية سياسية.
4. حماية وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، مع مساءلة من يمنعها.
السودان يواجه اليوم خيارًا بين استمرار الفوضى والخراب أو إعادة بناء الدولة على أساس مدني ديمقراطي، بعيدًا عن الانتقام والفساد والفوضى المسلحة. على العرب والعالم أن يقفوا بجانب شعبه، ويضغطوا على من يرفضون السلام ويستثمرون في الحرب لمصالحهم الضيقة.
الحرب في السودان ليست مجرد نزاع داخلي، بل معركة بين الحرية والديمقراطية من جهة، ومصالح الإخوان وداعميهم الإقليميين من جهة أخرى. وحده الضغط الشعبي والسياسي الحقيقي قادر على كسر دائرة الاستغلال والدمار وإعادة السودان إلى طريق الدولة المدنية.




