
عابدة مختار
منذ اندلاع الحرب في السودان، أخذ الصراع منحىً خطيراً تجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، ليطال المرافق المدنية الحيوية، من مستشفياتٍ وأسواقٍ ومصادر مياه، في مشهدٍ يعكس تعقيد الأزمة وتشابك أبعادها الإنسانية والسياسية. ولم يعد السؤال المطروح اليوم من ينتصر عسكرياً، بل كم يدفع المدنيون من ثمن هذا النزاع الذي طال أمده واستنزف ما تبقى من مقومات الحياة.
في خضم هذا الواقع، برزت محاولات متعددة لفتح مسارات نحو التهدئة، حيث سعت أطراف إقليمية ودولية، إلى جانب مبادرات داخلية، لدفع العملية السياسية وإحياء فرص التفاوض. غير أن هذه الجهود اصطدمت بتعقيدات الميدان، وتباينات المواقف، واستمرار الرهان على الحسم العسكري رغم كلفته الباهظة، الأمر الذي أعاق الوصول إلى تسوية تُنهي معاناة الملايين.
لقد أظهرت تطورات الحرب أن الاستمرار في المواجهة المفتوحة لا يحقق استقراراً، بل يفاقم الخسائر ويعمّق الأزمة الإنسانية. فالمواطن السوداني، الذي وجد نفسه في قلب هذا الصراع، لا يطلب سوى هدنة تتيح له التقاط أنفاسه، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، في ظل تدهور الخدمات الصحية وتراجع الأمن الغذائي واتساع رقعة النزوح.
وفي هذا السياق، وثّقت تقارير دولية ومنظمات أممية حوادث استهدافٍ طالت مرافق مدنية، ما أعاد إلى الواجهة أهمية الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضرورة حماية المدنيين والبنى التحتية التي لا غنى عنها لاستمرار الحياة. فهذه المبادئ ليست خياراً سياسياً، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يجب أن يعلو فوق حسابات الصراع.
إن استمرار الخطاب التصعيدي، وتبادل الاتهامات، لا يقدمان حلاً بقدر ما يطيلان أمد الأزمة. فالسودان اليوم في حاجة ماسة إلى إرادة سياسية حقيقية تُقدّم مصلحة الوطن على حسابات القوة، وتفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة تُنهي الحرب وتؤسس لمرحلة جديدة.
تبقى المسؤولية مشتركة بين الأطراف السودانية والمجتمع الدولي، فإيقاف نزيف الدم ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل ضرورة تاريخية لإنقاذ دولةٍ بأكملها من الانهيار. وفي نهاية المطاف، لن يكون هناك منتصر حقيقي في حربٍ يدفع ثمنها الأبرياء وحدهم.




