
إيمان التجاني
في كل أمةٍ تُحاول أن تنهض من رمادها، يطلّ وجه الماضي من بين الركام، كأنّه شبحٌ يذكّرها بأن الطريق إلى المستقبل لا يُعبّد إلا بالاعتراف. والسودان اليوم يقف على مفترقٍ كهذا؛ بلدٌ يجرّ خلفه تاريخًا مثقلاً بالدم والإنكار، تتوارثه الأجيال كأنّه ميراثٌ لا يُرد.
لم تواجه البلاد بعدُ إرث الرق والنخاسة، لا بوصفه جريمة تاريخية فقط، بل كمنظومةٍ فكريةٍ لا تزال تسكن اللاوعي الجمعي وتتحكم في مفاصل السلوك السياسي والاجتماعي. لم يكن الرق في السودان مجرّد صفحةٍ سوداء في الماضي، بل كان البذرة الأولى التي أنبتت شجرة التراتب والتمييز، وجعلت بعض الناس يتوهّمون أنهم أوصياء على الآخرين بالدم أو القبيلة أو السلاح.
المفارقة أن كثيرين ممّن صنعوا هذا الواقع المأزوم يتنكرون اليوم لجرائمهم، ويرتدون عباءة الضحية. أصبح الجلاد يكتب خطاب المظلومية، ويتحدث باسم الإنسانية، بينما لا يزال الحبر على جراح الضحايا لم يجفّ بعد. إنّها مأساة وطنٍ يجمّل وجه جلاده ويشيطن من قاومه، في زمنٍ صار فيه الصوت الأعلى لا يعبّر عن الحقيقة بل عن قدرة صاحبه على تضليلها.
الإعلام المأجور لعب دورًا خطيرًا في إعادة إنتاج هذا الوعي المقلوب، إذ صارت المنابر منابر تزويقٍ وتزييف، تلمّع القتلة وتخفي الضحايا تحت لافتات الوطنية المزوّرة. والمجتمع الدولي بدوره لم يكن بريئًا، إذ وجد في الفوضى مصلحةً، وفي الانقسام فرصةً، فصمت حين وجب أن يتكلم، وتكلم حين كان الصمت أوجب.
غير أن لحظة الحقيقة لا تُؤجَّل إلى الأبد. فالمجتمعات التي لا تواجه أشباحها القديمة تبقى أسيرة ظلالها. إن الاعتراف بالظلم ليس ضعفًا بل شرطًا للكرامة، والمساءلة ليست انتقامًا بل تطهيرًا من دنس التاريخ. لا يُبنى وطنٌ على النسيان، بل على شجاعة التذكّر.
ربما آن الأوان لأن يقول السودان كلمته الأخيرة: لا قداسة لوهمٍ اسمه “الوصاية”، ولا بقاء لجلادٍ تنكر لجريمته. وحدها الحقيقة، مهما كانت قاسية، هي التي تُعيد للأوطان روحها وللتاريخ عدالته .




