
نجم الدين دريسة
لم تعد الحقيقة خافية، ولم يعد بالإمكان تغطية الشمس بغربال. فهذه الحرب التي تعصف بالبلاد ليست سوى حرب الكيزان، آخر فصول مؤامرتهم الدموية ضد الشعب السوداني. هي حرب التنظيم الإرهابي الذي زرع نفسه في جسد الدولة والجيش منذ عقود، واليوم يقاتل دفاعًا عن سلطته المفقودة، لا عن الوطن الذي خانوه منذ يومهم الأول.
منذ نشأ ما يسمى بالجيش السوداني، وُضع على أسس استعمارية منحرفة، خُلق ليكون جيشًا للوصاية لا جيشًا للوطن. لم يُبنَ لحماية الشعب بل لإخضاعه، لمواجهة المجتمعات السودانية الأصيلة وحراسة مركز السلطة الاستعماري في الخرطوم. ومع مرور الزمن، أصبح هذا الجيش مرتعًا للنخب الانتهازية والأحزاب العقائدية التي اختطفته وجعلت منه أداة لقهر الناس لا لحمايتهم.
وفي سبعينيات القرن الماضي، تسللت الحركة الإسلاموية إلى قلب المؤسسة العسكرية عبر المصالحة الوطنية عام 1977م، لتبدأ أكبر عملية اختراق في تاريخ السودان الحديث. ثم جاء انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م المشؤوم ليُعلن ميلاد جيش الكيزان رسميًا — الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين — وتحول الجيش إلى تنظيم إرهابي يرتكب الجرائم باسم الدين والوطن.
منذ ذلك الحين، والدماء لا تتوقف: حروب الإبادة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، والجرائم المروّعة في الجنوب باسم “الجهاد”، والإعدامات الوحشية في رمضان التي راح ضحيتها 28 ضابطًا، ثم جريمة فض اعتصام القيادة العامة التي ستبقى وصمة عار في جبينهم إلى الأبد. كل ذلك بأوامر من قيادات كيزانية لا تعرف من الوطنية سوى لافتة يرفعونها وقت الحاجة.
واليوم، أعادوا الكرّة في حرب 15 أبريل 2023م، حرب خططوا لها لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لإجهاض الثورة المجيدة، وللقضاء على قوات الدعم السريع التي انحازت للثورة والشعب. لكنها لم تكن سوى حرب انتحارهم الأخيرة. فكل يوم تتكشف الحقائق، وكل تصريح من علي كرتي أو أمين حسن عمر يزيد الطين بلة ويؤكد ما عرفه الناس منذ البداية: إنها حرب الكيزان لاستعادة سلطتهم الضائعة وإحياء دولتهم الميتة.
هذا الجيش لم يُهزم فقط عسكريًا، بل انهار أخلاقيًا وتاريخيًا. تحالف مع المرتزقة والإرهابيين، فتح الأبواب لداعش وكتائب البراء والعمل الخاص، وارتكب أفظع الجرائم ضد المدنيين الأبرياء. جيش بلا قضية، بلا شرف، بلا وطن. جيش لم يعرف سوى القتل والنهب والخيانة.
لكن إرادة الشعوب لا تُقهر. فمهما اشتدت النيران، لن يعود السودان إلى بيت الطاعة الكيزاني. انتهى زمن دولة الوكالة، وسقط قناع “الجيش الوطني” الزائف.
إنها حرب الكيزان ضد الشعب السوداني، حرب الظلام ضد النور، حرب الماضي البائس ضد المستقبل الحر.
وسيكتب التاريخ قريبًا أن هذا هو يوم سقوط إمبراطورية الكيزان إلى غير رجعة، وأن الشعوب التي ثارت لن تعود إلى القيد مرة أخرى.
فليعلموا أن هذه الحرب هي نهايتهم.. وأن السودان بدأ يتحرر من جيش الاستعمار والكيزان إلى الأبد.




