
عبدالرحمن أبو رندة/بنسلفانيا
تتسارع التطورات في الإقليم مع ارتفاع منسوب التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، عقب تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التي حملت نبرة تحذير غير مسبوقة، قال فيها إن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الغرق الذي أصاب مناطق واسعة من أراضيها. هذه الكلمات التي تبدو في ظاهرها حديثًا عن أزمة فيضانات داخلية، تحمل في باطنها رسائل سياسية واضحة نحو إثيوبيا وسد النهضة، وربما تمهد لتصعيدٍ جديد في الصراع المزمن بين الدولتين على مياه النيل.
لكن السؤال الأهم إلى أين يتجه الأمر؟ وهل يمكن أن تُقدم مصر على عمل عسكري مباشر أو غير مباشر ضد إثيوبيا في هذا التوقيت الحرج؟ الاحتمال قائم من حيث المبدأ، لكنه محفوف بالمخاطر من حيث الواقع. فالقاهرة اليوم ليست في وضعٍ يسمح لها بخوض حرب مفتوحة على جبهتين، خاصة في ظل اشتعال الحرب في السودان، البلد الذي كانت مصر تراهن عليه ليكون ساحة حرب بالوكالة عبر وكلائها في الجيش السوداني. هذا الجيش ظل لعقود مطيةً لأجهزة المخابرات المصرية، ينفذ أجنداتها الإقليمية ويقاتل بالنيابة عنها كلما اقتضت الضرورة، كما فعلت القاهرة سابقًا عندما استخدمته لتأجيج النزاع في منطقة الفشقة الحدودية، وكما تحاول اليوم توظيفه في صراعها مع إثيوبيا، لتبدو كأنها ضحية بينما هي في الحقيقة اليد الخفية التي تعبث باستقرار السودان والقرن الإفريقي معًا.
زيارة وزير الخارجية المصري الأخيرة إلى بورتسودان تأتي في هذا السياق الملتهب. ظاهرها تنسيق سياسي وإنساني، وباطنها محاولة لملء الفراغ الدبلوماسي في شرق السودان والتأثير على مسار السلطة بما يخدم مصالح القاهرة. فالقضايا التي أثيرت خلال الزيارة دارت حول “الأمن المائي” و“الحدود” و“العلاقات الأخوية”، لكنها في جوهرها تهدف إلى جرّ السودان مجددًا إلى خندق الموقف المصري من سد النهضة. هذا الإصرار الدائم على ربط ملف السد بالسودان يعكس عقلية قديمة لم تغادرها القاهرة بعد، إذ لا تزال تتعامل مع السودان بوصفه تابعًا أو ورقة ضغط إضافية في مفاوضاتها مع أديس أبابا.
في المقابل، فإن السودان، من حيث المصلحة الوطنية، هو المستفيد الأكبر من سد النهضة، إذ سيحصل على إمداد مائي منتظم ومستقر، وسينتهي خطر الفيضانات المدمرة، كما سيستفيد من الطاقة الكهربائية الرخيصة والمستدامة. أما مصر التي بنت سياستها لعقود على مفهوم “الحق التاريخي” واحتكار مياه النيل، فهي ترى في السد تهديدًا لمشروعها المائي والهيمني، ولذلك تحاول بكل الطرق الممكنة، بما فيها الحرب بالوكالة، تعطيله أو توظيفه سياسيًا.
المشكلة الحقيقية ليست في سد النهضة ذاته، بل في عقلية الدولة المصرية تجاه السودان. القاهرة ما زالت تنظر إلى السودان كحديقتها الخلفية، وكأنها صاحبة القرار في مياهه وحدوده، بينما تواصل النخبة السودانية المرتبطة بها أداء دورها المألوف في خيانة تطلعات الشعب السوداني لصالح مصالح دولة لم ترَ فيه يومًا شريكًا بل تابعًا.
اليوم، تقف مصر أمام مفترق طرق خطير. فإما أن تمضي في تصعيد عسكري محدود أو غير مباشر عبر تحريك وكلائها في السودان وشرق إفريقيا، أو تختار المسار السياسي والدبلوماسي الذي يضمن لها الحد الأدنى من النفوذ دون خسائر كبرى. غير أن جميع السيناريوهات تشير إلى أن القاهرة خاسرة في كل الأحوال، فالحرب لن تمنحها النصر، والدبلوماسية لن تعيد إليها ما فقدته من تأثير إقليمي.
إنها لحظة سقوط الهيمنة المصرية القديمة وصعود واقع جديد تفرضه الجغرافيا والمصالح لا الشعارات. النيل لم يعد حكرًا على أحد، والسودان لم يعد بوابة مصر إلى إفريقيا، بل صار بوابة إفريقيا إلى تحررها من الوصاية المصرية. لقد انقلبت الموازين، وما كان يُدار من القاهرة بالأمس صار اليوم خارج قبضتها. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ومصر الغارقة في أزماتها لم تعد قادرة على فرض وصايتها، لا على إثيوبيا، ولا على السودان، ولا على مجرى النيل الذي يمضي كما يشاء، لا كما يريد الفراعنة الجدد.




