
إيمان التجاني
المؤسف حقًا أن ما تمارسه السلطة الانقلابية في بورتسودان لم يعد يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوز حدود الوطن، ليطارد السودانيين حتى في المنافي والبلدان التي لجأوا إليها هربًا من جحيم الحرب.
فمنذ أن نصّبت هذه العصابة العنصرية نفسها سلطة أمرٍ واقع، وهي تمارس أبشع أنواع الانتهاكات ضد شعوب السودان، خصوصًا أبناء الهامش الذين طالهم القصف بالطيران بحجة أنهم “حواضن للدعم السريع”، وتعرضوا للقتل على أساس الهوية، وللتصفيات الجسدية عبر ما يسمى بـ“قانون الوجوه الغربية”، وهو قانون عنصري بغيض لا يمتّ إلى قيم العدالة والإنسانية بصلة.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الوطن المنكوب، بل امتدت لتطال السودانيين في الخارج. فقد تحوّلت السفارات والبعثات الدبلوماسية إلى أدوات قمعٍ جديدة، تلاحق اللاجئين والمغتربين وتحرمهم من الوثائق الرسمية والأوراق الثبوتية التي يحتاجونها للعيش بكرامة. إنّها سياسة الإذلال المتعمد، التي تهدف إلى تمييز السودانيين على أساس مناطقهم وأصولهم الاجتماعية، في واحدة من أسوأ صور العنصرية المُمأسسة في تاريخ البلاد.
والأدهى من ذلك ما حدث مؤخرًا في المملكة العربية السعودية. فبعد أن سمحت السلطات السعودية مشكورة لأبناء السودان بالدراسة مجانًا في مدارسها، تفاجأ عددٌ من الطلاب بإيقافهم عن الدراسة، بحجة أنّ السفارة السودانية في الرياض أبلغت الجهات المعنية بعدم السماح لأي طالب قادم من غير الخرطوم أو بورتسودان بالالتحاق بالمدارس. هذا القرار الصادم لا يعكس سوى العنصرية المتجذرة في عقلية هذه السلطة التي تمارس التمييز على أساس الجهة والانتماء، وكأن السودان ليس وطنًا للجميع.
المؤسف أكثر أن السلطات السعودية، التي نكنّ لها كل الاحترام، استجابت لهذه التعليمات دون تدقيق أو مراجعة، فساهمت – دون قصد – في تكريس الظلم الذي يعاني منه أبناء السودان، لا سيما أولئك القادمين من دارفور وكردفان ومناطق الغرب، الذين يشكلون أكثر من تسعين في المائة من السودانيين المقيمين في المملكة منذ سنوات طويلة، بعضهم قبل اندلاع الحرب بوقت طويل.
أنا لست من هذه الجغرافيا، لكنني أقولها بوضوح: هذه الحقيقة يجب أن تُقال. فالسودان لا يُختزل في جغرافيا أو جهة أو قبيلة. وما يحدث اليوم ليس مجرد خطأ إداري أو تجاوز دبلوماسي، بل هو استهداف ممنهج لشعوب بأكملها، ومعاملة عنصرية تتنافى مع القيم الإسلامية والإنسانية التي تقوم عليها العلاقات بين الشعوب.
إنّنا أمام وضعٍ خطير، تتجاوز تبعاته قضية طلابٍ حُرموا من الدراسة، إلى قضية وطنٍ يُعاد تقسيمه على أساس اللون والجهة والانتماء. لذلك فإنّ هذه رسالة مفتوحة إلى السلطات السعودية:
نرجو منكم مراجعة هذه الممارسات غير العادلة، ووقف تنفيذ أي قرارات تُبنى على توصيات عنصرية من سلطةٍ فاقدة للشرعية، لأنّ الشعب السوداني بمختلف مكوناته يثق في حكمة المملكة وعدالتها، ولا يريد أن يرى الظلم يمتد إلى أرضٍ طالما كانت refuge وملاذًا للأشقاء.
السودانيون اليوم لا يحتاجون لمزيد من الإقصاء، بل إلى من يمد لهم يد العون والإنصاف.
ولتعلم عصابة بورتسودان أنّ زمن الهيمنة والعنصرية قد ولّى، وأن الشعوب التي ذاقت القهر لن تصمت بعد الآن.




