
أوهام الطلقة الأولى.. والجيش الذي وُلد ضد الوطن
نجم الدين دريسة
اطلعت على مقال الكاتب أحمد عثمان جبريل المنشور بصحيفة التغيير الإلكترونية تحت عنوان «الرصاصة الأولى أُطلقت يوم وُلد الجيش الموازي»، فوجدته نصًا يعجّ بالتناقضات ويقطر زيفًا من أوله إلى آخره، في محاولة مكشوفة لتزييف الوعي العام وتبييض صفحة مؤسسة عسكرية ظلّت لعقود تمارس القهر ضد الشعوب السودانية باسم الوطنية.
ذلك المقال لا يورد حقيقة واحدة، بل يستند إلى سردياتٍ قديمة موغلة في التضليل، تُقدّم الجيش السوداني كأنه الحارس الأمين للدولة، بينما يعرف القاصي والداني أن هذا الجيش هو في جوهره أكبر مليشيا نظامية عرفتها القارة الإفريقية، احتكر العنف، وصادر إرادة الشعوب، وارتكب من الانتهاكات ما يكفي لإدانة منظومته بأكملها.
الحقيقة التي يحاول أحمد عثمان جبريل القفز فوقها، هي أن هذا الجيش لم يولد وطنيًا، بل وُلد استعماريًا على يد ونجت باشا، كأداة لقهر السودانيين، قبل قيام الدولة السودانية بثلاثة عقود كاملة. إنه جيش صُنِع ليحمي مصالح مصر وبريطانيا، لا ليحمي السودان. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا الكيان صنيعةً استعماريةً مرتهنةً، ومدخلًا ثابتًا للتدخل المصري في الشأن السوداني، وحارسًا لمصالح نخبةٍ فاسدةٍ ورثت عقلية السيد والمملوك.
أما حديث جبريل عن “الجيش الموازي” فليس إلا خديعة لغوية لإخفاء الحقيقة المرة: أن الجيش الحقيقي الموازي للشعب هو جيش ونجت نفسه، الذي وضع فوهات بنادقه في وجه أبناء الوطن كلما طالبوا بالحرية أو العدالة أو المساواة. فمن الذي كان يقصف دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؟ من الذي ارتكب المجازر في الخرطوم؟ أليست القوات التي تدافع عنها يا جبريل؟
إن الحرب التي تمزق السودان اليوم لم تبدأ بولادة قوات الدعم السريع، بل هي نتيجة تراكمٍ طويل للظلم البنيوي والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي مارسته النخب المركزية المدعومة من المؤسسة العسكرية. الرصاصة الأولى لم تُطلق من بندقية الدعم السريع، بل من قلب المؤسسة القديمة التي رفضت أن ترى في أبناء الهامش مواطنين متساوين، وأصرّت على بقاء الدولة النخبوية الموروثة عن الاستعمار.
والحقيقة الدامغة التي تتجاهلها مقالتك يا جبريل، هي أن قوات الدعم السريع انحازت لثورة الشعب، واختارت الوقوف ضد استمرار دولة الامتيازات الطبقية والعنصرية. لقد مثلت، بكل ما فيها من تعقيدات، لحظة تمرّد على جيش الاستعمار الداخلي الذي تحاول تجميل صورته تحت عنوانٍ مخاتل مثل “الجيش الوطني”.
إن حديثك عن “إعادة هيكلة الجيش” محاولة متأخرة لتدوير ذات الخطاب الذي سقطت شرعيته. لا يمكن إعادة هيكلة مؤسسةٍ وُلدت على أساس الخيانة والاستعلاء، بل يجب تأسيس جيش جديد بالكامل، جيش وطني تمثّل فيه كل شعوب السودان على قدم المساواة، وتُبنى عقيدته على حماية المواطن لا قمعه.
إن مقالك المنشور في صحيفة التغيير الإلكترونية، رغم صياغته المتماسكة، ينضح بالتناقضات ويغرق في تبرير الاستبداد باسم القانون والنظام. فكيف تدعو إلى “نهاية الرصاصة وبداية الدولة” وأنت تبرر بقاء السلاح في يد المؤسسة ذاتها التي أطلقت كل الرصاصات ضد هذا الشعب منذ الاستقلال؟
ختامًا، نقولها بوضوح: لا يمكن أن تقوم دولة المواطنة والعدالة على بقايا جيش ونجت باشا. لا مستقبل للسودان إلا بتفكيك مؤسساته الاستعمارية، وبناء جيشٍ وطني جديد يعكس تنوع البلاد وعدالتها.
من يريد سلامًا حقيقيًا فليبدأ بالصدق.. لا بإعادة إنتاج الأكاذيب.




