
إيمان التجاني
حين يُبرَّر القتل، تصبح الكلمات خناجر.
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، لا يُقاس الرجال بما يقولونه فقط، بل بما يرفضون قوله. وحين تختلط السياسة بالدم، يصبح الصمت موقفًا، والانحياز جريمة أخلاقية، واللغة سلاحًا لا يقل فتكًا عن الرصاص. من هذا المنظور، يتبدّى خطاب موسى هلال اليوم كعلامة فارقة على سقوطٍ لم يعد قابلاً للتأويل.
ما صدر عنه لم يكن قراءة سياسية، ولا محاولة للتهدئة، بل اصطفاف مكشوف إلى سلطة تتغذّى على العنف، وتبحث عمّن يمنح أفعالها مشروعية اجتماعية. كان المنتظر من رجل يتصدّر المشهد باسم “المشيخة” أن يكون صوتًا للحدّ الأدنى من الإنسانية: حماية المدنيين، تحييد القرى، ورفض تحويل المجتمعات إلى وقود. لكنه اختار الطريق المعاكس، واستعار خطابًا يُجمّل القتل ويعيد إنتاجه.
المشكلة هنا ليست في اختلاف المواقف، بل في طبيعة الدور. فالقيادة المجتمعية ليست منبرًا لتبرير الفتك، ولا غطاءً لتسويق الحرب. وحين تتحوّل “المشيخة” إلى أداة، تفقد معناها قبل أن تفقد احترامها. ليست الزعامة لقبًا يُستدعى عند الحاجة، بل مسؤولية أخلاقية تُختبر وقت الشدائد.
إن محاولة إعادة تدوير رموز استُهلكت بالعنف، لا تعبّر عن حنكة سياسية، بل عن فقر في الخيال العام. فالمجتمعات التي ذاقت القتل والتهجير لم تعد ترى في الخطابات القبلية خلاصًا، ولا في الوعود المؤجلة أملًا. الوعي الذي تخلّق من الوجع أقسى من أن تُخدّره الشعارات.
يدرك موسى هلال، بحكم التجربة والمعرفة، آليات صناعة الكراهية، وكيف يُستدعى النسيج الاجتماعي لتبرير الجرائم. ومع ذلك، اختار أن يقف حيث يقف القتل، وأن يمنح روايته صك قبول. هذا الاختيار وحده كافٍ لإسقاط أي ادعاء بالحياد أو الحكمة.
الزعامة التي تُبنى على الخوف لا تعيش طويلًا، والمكانة التي لا تحمي أهلها تتبخّر. التاريخ لا يحاسب بالنوايا، بل بالمواقف، ولا يخلّد من برّر الدم، بل من حاول إيقافه. وفي ميزان كهذا، لا تبقى الكلمات محايدة، ولا تُغفر الشهادة الزائفة.
في زمن تتعرّى فيه الأقنعة، لن تنقذ الأسماء الكبيرة أصحابها، ولن تشفع الألقاب لمن اختار أن يكون شاهدًا لا شاهدًا للحق، بل شاهد زور على دمٍ كان يمكن رفضه.




