رأي

بين أوهام الهيكلة واستحقاقات الخلاص: لماذا لا تُنقِذ القرارات دولة بلا شرعية؟

خضر كوة

 

 خضر كوة

تتزايد في الآونة الأخيرة الأحاديث عن “قرارات سيادية مرتقبة” و“إعادة هيكلة شاملة للدولة”، تُقدَّم للرأي العام باعتبارها اختراقًا تاريخيًا ومخرجًا وشيكًا من النفق السوداني المعتم. غير أنّ القراءة المتأنية، البعيدة عن الانبهار بالمصطلحات الكبيرة، تفرض سؤالًا جوهريًا لا مهرب منه: هل نحن أمام مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة، أم أمام محاولة جديدة لإعادة تدوير الانهيار نفسه بصيغة مختلفة؟

إعادة هيكلة الدولة أم إعادة إنتاج الأزمة؟

لا يمكن لأي خطاب عن الإصلاح أن يكون جادًا ما لم ينطلق من الاعتراف بالمسؤولية. فالسنوات الماضية لم تكن فراغًا سياسيًا، بل كانت مرحلة قادها رأس السلطة الحالية، التي أدارت الانتقال، ثم عطّلته بانقلاب 25 أكتوبر، وأقصت الشراكة المدنية، وكرّست عسكرة السياسة. هذه الخيارات لم تكن عرضية، بل قرارات مباشرة قادت إلى عزلة خارجية خانقة، وانهيار اقتصادي متسارع، ثم إلى حرب مدمرة لا تزال تحصد الأرواح وتفكك المجتمع.

من هنا، فإن تسويق اللحظة الراهنة بوصفها “إعادة هيكلة” يتجاهل حقيقة أساسية: الدولة لم تنهَر فجأة، بل تآكلت تدريجيًا بفعل خيارات سياسية واضحة صُنعت في قمة هرم السلطة، ودُفعت البلاد ثمنها فادحًا.

حين يتحوّل الخراب إلى «مفاجأة سيادية»

ما يُطرح اليوم بوصفه “مفاجآت وطنية” لا يستند إلى مسار دستوري، ولا إلى تفويض شعبي، بل إلى تسريبات وبيانات ووعود غامضة. والمشكلة في السودان لم تكن يومًا نقص القرارات أو تبديل المسميات والهياكل، بل غياب الشرعية والمساءلة. فاستحداث أجسام قيادية جديدة خارج الإرادة الشعبية لا يعالج الأزمة، بل يعيد إنتاجها في صيغة أكثر تركيزًا للسلطة، وأشد فقرًا للشفافية.

من قاد البلاد إلى الحرب لا يقودها إلى السلام

الخطاب العسكري الذي يرفع شعارات “الحسم” و“السحق” يتجاهل واقعًا ماثلًا: مدن مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاد شبه منهار، ونسيج اجتماعي يتآكل. القيادة التي عجزت عن منع الحرب أو احتوائها في بداياتها، لم تقدّم حتى اللحظة دليلًا عمليًا على قدرتها على إنهائها. فالسّلام لا يُبنى بخطابات التعبئة، بل بمعالجة جذور الصراع، ووقف الحرب فورًا، وفتح مسار سياسي شامل.

السودان بين وهم القرارات وحقيقة المسؤولية

جوهر الأزمة ليس في الهياكل، بل في النهج. رهن مستقبل الدولة بإرادة عسكرية واحدة يُضعف الدولة ولا يقوّيها. فالقوات المسلحة، في الدول المستقرة، مؤسسة وطنية تحمي البلاد ولا تدير السياسة. التجارب تثبت أن الجيوش تكون أقوى حين تبتعد عن الحكم، وأن الدول لا تستقر إلا بمؤسسات مدنية شرعية تخضع للمساءلة. ما جرى في السودان هو خلط خطير بين الدولة والسلطة، وبين الجيش والسياسة، وكانت نتيجته الانهيار.

الشرعية أولًا: لماذا لا تُنقِذ القرارات دولة بلا مساءلة؟

إن الزجّ بالمقاومة الشعبية في صراعات السلطة، أو تقديمها كحاضنة لحكم عسكري، يُعد تشويهًا لدورها الأصيل. فهذه المقاومة نشأت دفاعًا عن الحرية والدولة المدنية، لا لتكون أداة تعبئة أو بديلًا عن المؤسسات الشرعية. السودان لا يعاني من نقص المبادرات، بل من غياب الاعتراف بالمسؤولية. ومن قاد البلاد إلى هذا الدرك، لا يستطيع إقناع الشعب بأنه سيقود الخلاص بالنهج ذاته والأدوات نفسها.

الخلاصة

السودان لا يحتاج إلى بيانات مبهرة، ولا “مفاجآت سيادية”، ولا أجسام موازية. السودان يحتاج إلى وقف الحرب فورًا، وإعادة السياسة إلى المدنيين، وبناء مسار شرعي شامل، ومحاسبة كل من تسبّب في هذه الكارثة، أيًّا كان موقعه.

فالدول لا تُنقَذ بالخطابات، ولا تُبنى بإعادة تدوير الفشل، بل بالمساءلة، والشرعية، وإرادة شعب حر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!