رأي

من أين جاء هؤلاء الناس؟… 

أبو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبد الله الراشدي

كأنّ الزمن عاد ليلد سؤالًا من رماد الخراب، السؤال الذي دوّنه الأديب الكبير الطيب صالح منذ عقود، وهو يرى انحدار الوطن في هاويةٍ لم يكن أحد يتخيل عمقها:

“من أين جاء هؤلاء الناس؟”

لم يكن الطيب صالح يسأل استغرابًا، بل وجعًا. كان يرى كيف انقلبت القيم رأسًا على عقب، وكيف سُرقت البلاد باسم الدين، وكيف استبدل الناس رحمة الإسلام بغلظة المتسلطين، وعدل السماء بجور الطغاة. كانت تلك الصرخة بمثابة نبوءةٍ لمأساةٍ وطنية امتدت لعقود، تجسّدت اليوم في حروبٍ، وانقساماتٍ، وانهيارٍ شاملٍ للدولة والمجتمع.

كتب الطيب صالح كمن يرى ما وراء الزمن، حين وصف الخرطوم وهي تنطفئ مبكرًا، تجرّ أذيالها في شوارع خاوية، تحكمها سلطةٌ تتحدث عن “النهضة” والبلاد غارقة في الجوع والخوف، وتبشر بالأمن فيما الناس يختفون في المعتقلات والمنافي. قال بوضوح:

“هل ما زالوا يتحدثون عن الرخاء والناس جوعى؟ وعن الأمن والناس في ذعر؟ وعن صلاح الأحوال والبلد خراب؟”

كان يعرف أنّ ما يسمّى بالمشروع الحضاري ليس سوى قناعٍ للدمار المنظم، وأنّ الجماعة التي رفعت شعار “هي لله” ستثبت الأيام أنها كانت “هي لهم”، وأنهم سيحكمون بالحديد والنار حتى تنفجر البلاد عليهم من داخلها. وها نحن اليوم نعيش تمامًا ما رآه الأديب النبيل بعين البصيرة: دولةٌ مفككة، اقتصادٌ منهار، وجيلٌ كامل يبحث عن وطنٍ لم يعُد موجودًا.

لقد صدق حين تساءل: أما أحبوا الوطن كما نحبه؟ أما أرضعتهم الأمهات الرحمة؟ أما علمهم الآباء الوفاء؟

أسئلة لا تزال تُطرق كالطبول في ضمير كل من نجا من جحيمهم.

لم يكن الطيب صالح ناقدًا سياسيًا فحسب، بل شاهدًا على تحوّلٍ أخلاقي عميق، رأى كيف انسلخ المجتمع من قيمه، وكيف تسلل الجشع والرياء إلى النفوس، وكيف تحوّل الوطن إلى مزرعة خاصة باسم الدين.

في روسيا قالوا عنه “الكاهن”، وفي أستراليا سموه “النبي”، لأنه كتب ما لم يجرؤ غيره على قوله. أما في السودان، فقد بقي صوته علامةً مضيئة في زمن العتمة، وصدى يذكّرنا بأنّ الضمير يمكن أن يسبق التاريخ.

رحم الله الطيب صالح، الذي قرأ مصيرنا قبل أن نعيه، وترك لنا سؤالًا سيظل مفتوحًا ما دام الخراب قائمًا:

من أين جاء هؤلاء الناس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!