رأي

تحالف تأسيس بين وفرة القوة وبطء الفعل السياسي

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

يقول الفيلسوف الصيني سون تزو في أحد أشهر أقواله: “القوة التي لا تُحسن إدارة وقتها تفقد نصف انتصارها قبل أن تبدأ المعركة.” وهذه الحكمة القديمة تبدو اليوم ذات صلة عميقة بطبيعة اللحظة التي يمر بها السودان، وبالتحديد بالدور الذي يلعبه تحالف السودان التأسيسي في معادلة الحرب والسلام والتحول السياسي في البلاد.

لقد نشأ تحالف تأسيس في سياق تاريخي معقد، حيث تشكلت ملامحه على قاعدة اجتماعية وسياسية وعسكرية واسعة. فالقوة التي يستند إليها التحالف ليست مجرد تحالف سياسي تقليدي، بل هي بنية مركبة تجمع بين قاعدة جماهيرية عريضة وقوى عسكرية ذات تأثير حاسم في ميزان الصراع. وتتمثل هذه القوة العسكرية في قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، وهما قوتان لعبتا دوراً محورياً في إعادة رسم الخريطة العسكرية والسياسية في السودان.

وعلى المستوى الجغرافي، يمتد نفوذ هذا التحالف على مساحات واسعة من البلاد، تشمل إقليم دارفور بكامله، وأجزاء كبيرة من كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى امتداد جغرافي واسع عبر الصحراء وصولاً إلى المثلث الحدودي، مع حضور متقدم يصل إلى تخوم العاصمة الشعبية أم درمان. وهذه المساحات ليست مجرد امتداد جغرافي عابر، بل تمثل ما يمكن وصفه بحزام الموارد السودانية، حيث تتقاطع الثروات الطبيعية والموارد الاقتصادية بمختلف أشكالها، من الأراضي الزراعية إلى الثروات المعدنية والطرق التجارية الحيوية.

لكن أهمية التحالف لا تقف عند حدود الجغرافيا أو القوة العسكرية. فالميزة الأكثر لفتاً للانتباه في بنيته تكمن في تمثيله للتنوع السوداني بكل أبعاده. إذ يضم التحالف طيفاً واسعاً من المكونات الإثنية والثقافية والمناطقية، إلى جانب أحزاب سياسية كبيرة وعريقة، الأمر الذي يمنحه، من حيث المبدأ، شرعية اجتماعية وسياسية واسعة تعكس حقيقة التعدد السوداني وتعقيداته.

وقد حاول التحالف أن يترجم هذه القاعدة الواسعة إلى مشروع سياسي متماسك، من خلال طرح عدد من الوثائق التي سعت إلى معالجة جذور الأزمة السودانية بصورة نظرية ومؤسسية. فظهرت الوثيقة السياسية، والدستور التأسيسي، والمبادئ فوق الدستورية، وهي كلها محاولات لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة تتجاوز أزمات المركز والهامش، وتضع أسساً مختلفة لإدارة السلطة والثروة والهوية.

هذه الوثائق، من حيث مضمونها الفكري والسياسي، تمثل محاولة جادة للانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق تأسيس الدولة. فهي تتناول قضايا جوهرية تتعلق بطبيعة الحكم، وتوزيع السلطة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وضمان الحقوق والحريات، وهي كلها قضايا ظلت في قلب الأزمة السودانية لعقود طويلة.

غير أن المفارقة التي تبرز بوضوح في تجربة تحالف تأسيس هي الفجوة بين حجم الإمكانات المتوفرة لديه، وبين سرعة وحيوية حضوره في الفضاءات السياسية والمدنية والدبلوماسية والإنسانية والحقوقية. فهذه المجالات لم تعد مجرد مساحات ثانوية في الصراع السياسي المعاصر، بل أصبحت ساحات حاسمة تُصاغ فيها الشرعية الدولية، وتُبنى فيها الروايات السياسية، وتُحدد من خلالها صورة الفاعلين في أعين الرأي العام العالمي.

وفي عالم اليوم، لا تُقاس قوة الفاعلين السياسيين فقط بما يملكونه من الأرض أو السلاح، بل أيضاً بقدرتهم على الحضور المستمر في فضاءات الإعلام والدبلوماسية وحقوق الإنسان والعمل الإنساني. فهذه الساحات تتحرك بوتيرة يومية سريعة، ولا تحتمل الفراغ. وكل فراغ فيها سرعان ما تملؤه قوى أخرى، حتى وإن كانت أقل وزناً وتأثيراً على أرض الواقع.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة أمام تحالف تأسيس لإعادة ضبط إيقاع حضوره السياسي، بحيث ينتقل من حالة الفعل المتقطع إلى حالة الحضور المستمر والمنظم في مختلف دوائر التأثير. فامتلاك القوة العسكرية والجغرافية والاجتماعية يمثل رصيداً استراتيجياً مهماً، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي كامل ما لم يُترجم إلى خطاب سياسي فعال، ودبلوماسية نشطة، ومبادرات مدنية وإنسانية متواصلة.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه التحالف اليوم لا يتعلق بامتلاك المقومات، فهذه متوفرة بدرجة كبيرة، بل يتعلق بكيفية إدارة هذه المقومات وتحويلها إلى مشروع سياسي حاضر بقوة في كل مستويات الفعل العام.

ففي لحظات التحول الكبرى في تاريخ الشعوب، لا يكفي أن تكون القوة موجودة؛ الأهم هو أن تكون حاضرة وفاعلة ومؤثرة في الزمن المناسب. وفي السياسة، كما في التاريخ، كثيراً ما يُصنع الفارق بين القوى ليس بحجم ما تملك، بل بسرعة ما تفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!