رأي

السودان في مرمى الخطابين المصري والسعودي: دعوة لبناء دولة المواطنة

عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

 

 عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

في خضم الترحيب العربي باتفاق شرم الشيخ حول غزة، برز تصريح رئيس الوزراء السعودي الذي دعا إلى “تحقيق السلام في السودان والحفاظ على وحدته ومؤسساته”. للوهلة الأولى، يبدو الخطاب دبلوماسياً متزناً، لكنه عند التمحيص يكشف عن تبنٍ غير واعٍ لسردية مصرية قديمة تقوم على منطق الوصاية واعتبار السودان امتدادًا للنفوذ المصري أو مجالاً حيوياً لمصالحه.

إن الحديث عن “الحفاظ على المؤسسات السودانية ووحدتها” يبدو في ظاهره دعوة وطنية، لكنه في جوهره امتداد لفهم تاريخي خاطئ تشارك فيه بعض العواصم العربية اليوم، وعلى رأسها الرياض والقاهرة، إذ تنظران إلى السودان من خلال عدسة الاستقرار الشكلي لا من زاوية التحول البنيوي الذي تتطلبه المرحلة.

فالقاهرة ظلت تاريخياً حريصة على الإبقاء على مؤسسات ما بعد الاستعمار كما هي، لأنها تُمكِّنها من ضمان مصالحها الاستراتيجية، خاصة في ملفيّ مياه النيل والأمن الإقليمي. أما الرياض، فبدا من خطابها الأخير أنها تتبنّى الرؤية المصرية ذاتها، دون إدراك لطبيعة التحولات الجذرية التي يعيشها السودان اليوم. إن ترديد هذا الخطاب المحافظ على الوضع القائم، يعني عملياً الاصطفاف مع بُنية الدولة القديمة التي أنتجت الأزمات ولم تقدّم حلولاً لها.

إن مؤسسات الدولة السودانية الحالية ليست مؤسسات قومية جامعة، بل بُنى نخبوية ووريثة لعقل الدولة الاستعمارية التي أسست التهميش وأقصت السواد الأعظم من الشعب. لذلك فإن أي دعوة لـ“المحافظة عليها” لا تُعد سوى محاولة لتجميد مسار التغيير التاريخي الذي بدأته الشعوب السودانية في سعيها نحو إعادة تعريف الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة لا الامتيازات، والعدالة لا المركزية القابضة.

الحل الحقيقي للأزمة السودانية لا يكمن في التمسك بمؤسسات فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية، بل في بناء عقد اجتماعي جديد يُعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة. فالسودان، بعد أكثر من سبعين عامًا من الاستقلال، لم يعد بحاجة إلى وصاية أو إملاءات خارجية، بل إلى إرادة داخلية شجاعة تعيد صياغة مشروعه الوطني من جذوره.

على مصر والسعودية وسائر القوى الإقليمية أن تدرك أن السودان الجديد لن يُبنى على أنقاض دولة 1956، ولن يقبل بإعادة إنتاج الوصاية في ثوبٍ جديد. فاستقرار المنطقة لا يتحقق بتثبيت الهياكل البالية، بل بدعم التحول الحقيقي نحو دولة المواطنة التي تُعيد الاعتبار للإنسان السوداني كقيمة وغاية.

إن السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يواصل الدوران في حلقة التاريخ المغلقة، أو أن يفتح صفحة جديدة تُنهي إرث الوصاية وتؤسس لدولة الحرية والعدالة والمساواة. وأي مبادرة لا تنطلق من هذه الحقيقة، لن تكون سوى تكرار بائس لخطاب فقد معناه وسلطانه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!