
عبدالله محمد ادم ..كمبالا
في خضم الفوضى العارمة التي يعيشها السودان، حيث انهارت مؤسسات الدولة و تهاوى نظام الصحة، تظهر مآسٍ إنسانية تكشف عمق المأساة التي يعانيها شعب أنهكته الأمراض والنزاعات،فإنهيار النظام الصحي لم يترك الفرصة فقط للأمراض الفتاكة كحمى الضنك والكوليرا أن تتفشى، بل فتح الباب على مصراعيه أمام من يسعون للاستغلال والاستثمار في معاناة الناس.ان قصة ذلك الشخص الذي ظهر في فيديو يتباهى بتوزيع محاليل البندول الوريدية، في ولاية الخرطوم، ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الانهيار الشامل، حيث تشير التقارير الدولية إلى أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فقد يحتاج 30.4 مليون شخص -أكثر من نصف السكان- للمساعدة الطبية العاجلة في عام 2025، من بينهم 16 مليون طفل. وقد دمر النزاع المسلح 80% من المرافق الصحية في المناطق المتأثرة بالصراع، فيما تعاني المنشآت المتبقية من نقص حاد في الكوادر الطبية و الإمدادات الأساسية.
و قد تفشت الأمراض بشكل مرعب، و تواجه البلاد تفشياً سريعاً لحمى الضنك والملاريا والتهاب السحايا، في ظل نظام صحي عاجز عن المواجهة.
في هذا المشهد الكارثي، من الطبيعي ان تظهر شخصيات تستغل يأس الناس وحاجتهم الماسة للعلاج و قصة “منقذ محاليل البندول” تمثل نموذجاً صارخاً لهذه الفوضى، فكيف لشخص غير مختص في تخزين،او استعمال دواء او مجرد معرفة طريقة ترحيله، كيف له ان يحمل دربات وريدية في سيارته الخاصة و يتحدي وازرة الصحة بانه سيقوم بتوزيعها في الشوارع، كما يتم توزيع حلاوة المولد امام ميدان الخليفة؟ يستغل امثال هذا الشخص المعاناة الحقيقية للأسر التي تعاني من حمى الضنك، مقدماً نفسه كمخلص في وقت تفتقر فيه المستشفيات لأبسط الأدوية، متجاهلا كل البروتوكولات الطبية، التي قد لا يعرفها أساسا ليصر على توزيع محاليل وريدية مجهولة المصدر دون الخضوع للإجراءات الرقابية التي تحمي المرضى!!.لكنه و بتحديه المعلن قد اكد للجميع العجز المؤسسي و عدم قدرة وزارة الصحة على اتخاذ إجراءات رادعة، سواء بمصادرة هذه الأدوية أو محاسبة الموزع غير المرخص، و بذلك تقوم الوزارة بتضليل الرأي العام، لانها تفاوضت معه لتسليمها الادوية، ربما بعدها سيتم تحويل شخص يهدد حياة الناس إلى “بطل” في أعين عامة الناس اليائسين من غياب الرعاية الصحية.
لكن لم تأتِ هذه الفوضى من فراغ، فالدولة تتقاعس عن أداء دورها الأساسي في حماية صحة المواطنين،و الهجمات المتكررة على المنشآت الصحية وعدم توفير الحماية الكافية لها جعلت النظام الصحي عاجزاً عن القيام بدوره الرقابي. و للأسف تعاني الوكالات الإنسانية من نقص حاد في التمويل، حيث تحتاج فقط إلى 120 مليون دولار لمواجهة تفشي الكوليرا في دارفور، لكنها لا تجد التمويل الكافي. هذا النقص يحرم الملايين من الرعاية الصحية الأساسية ويدفعهم للبحث عن بدائل خطرة.
لقد أسهمت الأمية و ضعف الوعي الصحي في تفاقم الأزمة، حيث يلجأ الناس لحلول غير مفيدة في ظل غياب الخدمات الصحية المنظمه
ان قصة منقذ محاليل البندول ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي مؤشر على عمق الانهيار الذي يعيشه القطاع الصحي في السودان،وإن معالجة هذه الأزمة تتطلب وقفة جادة من جميع الأطراف؛ حكومة تتحمل مسؤوليتها في حماية صحة المواطنين، و من المجتمع الدولي ليزيد من دعمه للبرامج الإنسانية، و علي جميع العاملين في المهن الصحية ان يرفضوا اليأس ويتمسكوا بالحلول المؤسسية المنظمة.
ففي الوقت الذي يموت فيه السودانيون بسبب نقص الأدوية، لا يمكن السماحة لأشخاص غير مؤهلين بأن يجعلوا من هذه المأساة سوقاً للاستغلال والظهور، بغض النظر عن حسن النوايا. فالصحة ليست مجالاً للعبث، والحل لا يكمن في محاليل وهمية، بل في إعادة بناء نظام صحي قادر على مواجهة التحديات.
و الله المستعان



