رأي

السودان، الأحادية، والمثقف: أزمة الموقف والدولة

خضر كوة

خضر كوة 

تمهيد: الثقافة الأحادية والذات الجماعية

عندما نتحدث عن “المفهوم السوداني الإفريقي” وبقاءه محصورًا في الفرد وليس في المشروع السياسي أو الجماعي، فإننا نشير إلى انعكاس عميق لآثار الاستعمار، لسلوك السلطة، ولتركيبة النخب في المجتمع السوداني. الثقافة الأحادية التي ترى أن فكرها، هويتها، توجهها، وحتى دماغها السياسي هو المعيار الوحيد، غالبًا ما تنعزل عن الآخر، تهمّش الأقليات، تصفهم بالهامش أو المتخلفين، بل تنظر إليهم أحيانًا كأعداء داخليين، مما يفجّر الانقسامات، الحروب، النزاعات، ويعيد إنتاجها.

هذا ليس أمرًا فريدًا للسودان، لكنه في حالة السودان زاد التلوث بين الفرد والمشروع السياسي، بين الانتماء وبناء الدولة، بين الهوية الشخصية والهوية المشتركة. المثقف السوداني، بدوره، مستوعب لهذا التراث الموروث من الانقسام، من الجهوية، من الولاء العرقي أو القبلي، أو حتى الولاء لإيديولوجية محددة، دون أن ينخرط في التصحيح الكامل للبنية الثقافية والسياسية التي تولّد العنف.

جذور الثقافة الأحادية في السودان

1. الاستعمار المصريّ التركيّ ثم البريطاني

السودان خرج من الاستعمار بمعارك وميراث استعماري مركّب: المصري-التركيّ ثم البريطاني. هذا الميراث شمل ليس فقط حدودًا سياسية وقواتًا عسكرية، ولكن أيضًا نماذج إدارة، هياكل للسلطة المركزية، توزيع موارد وفوائد، تعليم وسياسة هويّة. الاستعمار غالبًا ما يرسّخ مفهوم “المركزيّة” وإن كان مركزٌ بعيدٌ وغير مشارك.

2. الجيش كأداة للسلطة المركزية

الجيش في السودان لم يكن فقط حاميًا للحدود، بل كان وسيطًا للبنية السياسية، أحيانًا سلطة عليا، ذات استخباراتٍ مرتكزة في المركز (الخرطوم)، تتدخل في السياسة، تُفرّغها من معناها المدني، وتُستخدَم للقمع أو السيطرة. هذا جعل الجيش جزءًا من المشكلة، وليس الحل.

3. النخب والمثقفون وشهادة الاستعمار

النخب السودانيّة ترعرت في ظل الاستعمار أو ما بعده، وتبنّت كثيرًا من القوالب التي تسقط الآخر، تهمشه أو تفسر وجوده باعتباره خطأً في الحدود أو “تأخرًا”. المثقّف بدل أن يكون وسيطًا للوعي الجماعي، غالبًا انحاز لأيديولوجيات أو إيجاد قوالب جاهزة: القومية العربية، الإسلام السياسي، أو أنماط مركزية للهوية السودانية التي تُمثَّل من الخرطوم أو من أكبر الجماعات.

هل المثقف قدم تصحيحات؟ وإلى أي حد؟

المثّقف السوداني – بالمعنى الأكاديمي والثقافي والسياسي – قام بمحاولات كثيرة: كتابات، أبحاث، منابر ثقافية، مجلات، انخراط في الحركات السياسية والمدنية. لكن معظمها:

كان يعمل ضمن القوالب الموروثة: التركيز غالبًا على المشكلة كفساد فردي أو فجوة في الحكم، لا على بنية الدولة، على الجهوية، على الموارد، على التاريخ الطويل للاستبعاد.

الدعم المادي والسياسي غالبًا ما كان يشترط الولاء: مثقف قريب من السلطة أو التيار المسيطر يلقى تمويلاً وفرصًا، من يخرج عن ذلك يُهمش أو يُقتَل فكريًا أو فعليًا.

المثقف كفرد، لا كمشروع جماعي، غالبًا لا يربط بين ثقافة التعايش، العدالة، التوزيع العادل للسلطة والموارد، بعدالة الهوية. فجاءت التصريحات، الأبحاث، والخطب ناقصة في القدرة على الممارسة والتأثير السياسي الواسع.

تحليل علمي للضرر الناجم عن هذه الثقافة الأحادية

إليك بعض الأضرار المثبتة والمُدقّقة:

1. الأثر الإنساني – نزوح وموت ودمار

منذ اندلاع الحرب الحديثة (2023) بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، تسببت الحرب في نزوح داخلي هائل: ملايين السودانيين باتوا مشردين داخل البلاد، ملايين آخرون عبر الحدود.

انهيار القطاع الصحي: استهداف المستشفيات، نقص الأدوية، انتشار الأمراض المعدية، سوء تغذية، ارتفاع وفيات الأطفال.

2. الأثر الاقتصادي والاجتماعي.

الاقتصاد تراجع كبير: فقد الإنتاج، توقف الزراعة، تعطّل الأنشطة الصناعية والخدمية.

الفقر توسّع، الأسعار ارتفعت، قيمة العملة تدهورت، الموارد التي كانت تُستغل لخدمة التعليم أو الصحة أو البنية التحتية ذهبت إلى الحرب أو النفوذ أو الفساد.

3. الأثر على الهوية والثقافة.

التدمير أو النهب للمواقع التاريخية والمتاحف، مما يمس ذاكرة الأمة وتراثها.

التعليم تعطّل، المدارس والجامعات تُستخدَم كملاجئ أو تتعرض للدمار، مما يقلّل من قدرة الأجيال الجديدة على التفكير النقدي والتنوير.

4. الأثر السياسي والأمني

الدولة تفكّك قوتها في بعض المناطق، ظهور قوى موازية للسلطة، ضعف المؤسسات المركزية، وانتشار الميليشيات. هذا يؤدي إلى دوامة لا نهاية لها من النزاعات المحلية، الأمر الذي يجعل أي مشروع وطني هشًّا.

ضياع الشرعية: عندما يستخدم الجيش أو قوات مسلّحة أخرى القتل والقمع باسم حفظ الوحدة أو المركزية، يخسر مثقفو تلك المشاريع ولاء المواطنين، يصبحون مصدر خوف لا ثقة.

العلاقة مع مصر وتأثيراتها

أردت أن أوضح نقطة مهمّة تتعلق بالانزياح الذي يحدث من تأثيرات خارجية، مركّزًا على مصر مثلاً:

مصر تاريخيًا تُعتبر قوة إقليمية فيها طموحات استراتيجية تجاه السودان: عبر سيطرة على المصادر المائية (نهر النيل)، النفوذ السياسي، الثقافي. المثقف السوداني تأثر بهذا التأثير غالبًا إما بالولاء أو بالعداء، لكن في أغلب الأحوال، لم يتم بناء استراتيجية محلية متماسكة تأخذ بعين الاعتبار أن التأثر الخارجي أمر لا مفرّ منه لكنه يجب أن يُوازن وليس أن يُفرض.

ما سبق من تأثيرات جعل بعض النخب تنظر إلى مصر ليس كشريك محتمل بل كمنافس أو عدو، وأحيانًا كمُسيطر، مما أدّى إلى بناء عداوة مبنية على الهوية، أكثر منها على المصالح الحقيقية. هذا يسهم في انقسام داخلي وتعميق الثقة بالمركز وحتى الدولة المركزية.

لماذا الحروب تستمر لأكثر من ٧٠ سنة؟ وما الذي يجب تغييره

من تحليل عدة حقائق، يمكن تلخيص أن استمرار الحروب والنزاعات في السودان يعود إلى:

الولاء القبلي/الإثني/الجهوي الذي يعيد تشكيل الولاء السياسي في أوقات الصراع، بدلاً من الولاء للدولة أو للديمقراطية أو لمشروع وطني عادل.

غياب ثقافة المساءلة والمحاسبة: الجيش والنخب كثيرًا ما يفلتون من العقاب، والمثقف الذي ينتقد يُهمش أو يُخنق.

غياب إدماج حقيقي للمناطق المهمشة في السلطة، في توزيع الثروة، في الخدمات، في صوتٍ سياسي فعّال.

الهوية الوطنية غير المتجانسة والشعور أن الهوية المركزية ـ غالبًا من “الجزيرة” أو الخرطوم أو الشمال القريب من المركز ـ هي المعيار الوحيد المقبول.

ما يجب تغييره:

1. إصلاح ثقافي وسياسي متزامن: المثقّف يجب أن يعيد بناء نفسه ليس فقط كناشط أو كاتب، بل كطرف فاعل في بناء المشروع الوطني: مشروع يُقِرّ بالتعدد، يُشرك الأقليات، يُعيد توزيع الموارد، يعترف بالجراح.

2. شفافية ومساءلة الجيش والنخب: مؤسسات تُحاسب، عدالة انتقالية، محاكمات للانتهاكات، حتى تنجلي الرسالة إلى أن لا أحد فوق القانون.

3. اللامركزية الحقيقية: تمكين الأقاليم والمناطق المهمشة من الحكم المحلي، من الموارد، من اتخاذ القرار؛ كي يشعر الناس أن لهم جزءًا من الدولة وليس مجرد تابع أو ضحية.

4. التعليم والتثقيف: مناهج تُعلي من قيمة التنوع، تُعلّم التفكير النقدي، تاريخ السودان الكامل (الشمالية، الجنوبية، الغربية، الوسطى، الشرقية)، تُعلّم أن الاختلاف ليس عداءً بل ثروة.

5. بناء مؤسسات مدنية قوية مستقلة: منظمات المجتمع المدني، المثقفون، الإعلام، الثقافة، الفن، كلها أدوات لبلورة صوت مختلف، صوت مشروع وليس صوت فرد.

خاتمة

إذا استمر السودان في أن يرى أن الأحاديّة، الفرد، الولاء الجهوي/القبلي/العرقي هي الأساس، فإن النزاع سيستمر، الدولة ستظل مُهدَّدة، القلوب مجروحة، الهوية مفككة، الأراضي منقسمة. المثقّف لا يكفي أن يكون صوتًا ينتقد، بل أن يكون بنّاءً، مبتكرًا، مع انفتاح على الآخر، مع حس سياسي ممارس، مع التزام بالعدالة، مع رغبة في التماسك وليس في السيطرة.

السودان يستحق مشروعًا سياسيًا جامعًا، ثقافيًا معتبرًا التنوع، مؤسَّسًا على العدالة والمساواة، لا على السيطرة بالفرد أو بالسلطة المركزية وحدها. حتى يأتي ذلك، سيبقى الجرح، وسيبقى النزاع، وسيبقى السؤال: متى ينبثق المثقف من ظلّ السلطة ومنعتق الفرد إلى بناء الجماعة، متى يُنطِق المشروع السياسي السوداني بجميع صوته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!