رأي

عصابة بورتسودان.. حين تتحول السلطة إلى أداة للفرز العرقي

علي سانتينو

في منظر يختصر كل أزمات السودان منذ استقلاله، تتكشف اليوم واحدة من أبشع صور الانحدار السياسي والإنساني لعصابة بورتسودان. فقد أقدمت السلطة القائمة هناك على ترحيل مجموعات من المواطنين المنحدرين من أصول جنوبية قسراً إلى الحدود الجنوبية مع مدينة الرنك، في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا ممارسة عنصرية مكتملة الأركان، تمارسها سلطة فقدت بوصلة الدولة وانزلقت إلى مستنقع التفكيك العرقي.

القرار ليس إدارياً ولا أمنياً كما تحاول العصابة تبريره، هو قرار سياسي بامتياز، يعبّر عن جوهر مشروع الإسلام السياسي الذي فشل في بناء وطن جامع، فاتجه إلى تصفية السودان وتقسيمة على أسس العرق والهوية. سلطة الامر الواقع في بورتكيزان ليست سوى الوجه الجديد لنظام قديم، عَرف كيف يوظف الدين والهوية لخدمة بقائه، حتى وإن كان الثمن تمزيق ما تبقى من الوحدة الوطنية للسودان!

المفارقة الموجعة أن المواطنين الذين تم ترحيلهم إلى الجنوب لم يعرفوا الجنوب يوماً. هؤلاء وُلدوا ونشأوا في السودان الكبير، وتربّوا على ترابه، ولم يعرفوا وطناً غيره. لكن السلطة العنصرية بقيادة عبد الفتاح البرهان قررت فجأة أن دماءهم والوانهم ليست شمالية بما يكفي، فصنّفتهم غُرباء في أرضهم، تماماً كما صُنّف الجنوبيون من قبل حتى اضطروا إلى الانفصال في استفتاء 2011. اليوم يعيد التاريخ نفسه، ولكن بصورة أكثر قسوة وابتذالا!

ان المشهد اليوم لا يتعلق بمجموعة صغيرة من الأسر المطرودة، هو يتعلق بملامح مشروع سياسي خطير يسعى لتفكيك السودان إلى دويلات إثنية متناحرة. ما تفعله السلطة ليس سوى التطبيق العملي لأيديولوجيا ترى في التنوع تهديداً، وفي التعدد لعنة يجب التخلص منها. يبدو ان النظام الإسلاموي الذي يحكم من وراء ستار لم يتعلم من أخطائه المتكرره، هو يواصل بناء دولة النقاء العرقي في وطن تشكل كل ذرة من ترابه فسيفساء من الأعراق والثقافات!

شُلة بورتسودان، وحينما تمارس هذا السلوك الإقصائي، تكشف عن مدى انحلال فكرة الدولة وتشرذمها في إطار 56 السياسي. حيث لم تعد هناك دولة تحمي مواطنيها، بل سلطة تحاكمهم على أصولهم الاجتماعية. وحين يصبح الانتماء الجغرافي معياراً للهوية الوطنية، تسقط الدولة تلقائياً في حضن الفوضى. من يمنحُ هذه العصابة حق تسمية من هو المواطن ومن هو الغريب؟ وأي قانون أو دين يبرر اقتلاع الناس من بيوتهم لأن أجدادهم جاؤوا من الجنوب؟

المنظر الأسوأ أن هذه الممارسة تفتح الباب أمام انتقام متبادل. لا قدر الله لو قررت حكومة جنوب السودان أن تتعامل بالمثل مع من تنحدر أصولهم من الشمال ويقيمون هناك، ماذا سيحدث؟ ألم نجد أنفسنا أمام حلقة جديدة من الطرد والتهجير المتبادل، تذكي نيران الكراهية بين شعبين يفترض أنهما قد تخلصا تماماً من الحروب بالانفصال؟

إن ما يجري في بورتسودان ليس حادثة معزولة عن التفكير المركزي، بل علامة فارقة على انهيار مشروع ((دولة 56)) التي عجزت طوال سبعة عقود عن بناء عقد اجتماعي يساوي بين المواطنين. كل سلطة تأتي، تعيد إنتاج ذات المرض المزمن، عنصرية، استعلاء، وفرز على أساس العرق والدين. وها نحن نرى النتيجة دولة تتآكل، وسلطة لا ترى في مواطنيها سوى ملامح الدم والقبيلة!

 

إن ما أقدمت عليه عصابة بورتسودان من نقل قسري لقبائل كاملة من أصول جنوبية تقطن الجزيرة وسنار إلى المناطق المتاخمة للجنوب ليس قراراً إدارياً، بل إعلان رسمي بانهيار الدولة وانحدارها إلى منطق العصابات العنصرية. هذه ليست سلطة دولة، هي مجموعة متطرفة فقدت إنسانيتها وتتعامل مع المواطنين كما يتعامل التاجر مع البضائع، يُنقلون ويُرمون حيث يشاء الجهل والكراهية.

من يفعل ذلك لا يحكمُ السودان، بل يدفنه. ومن يفرز الناس على أساس العرق لا يبني وطناً، بل يصنع محرقة. إن عصابة بورتسودان لا تختلف في جوهرها عن أي تنظيم فاشي أو طائفي عرفه التاريخ، هي تمثل نسخته السودانية بأبشع تجلياتها. إنها تُدير ما تبقى من البلاد بعقلية الجلاد الذي يرى في التنوع تهديداً وفي الاختلاف خطراً يجب محوه. هذه الجريمة لا تخص الضحايا وحدهم، هي تمسّ جوهر فكرة الدولة السودانية المولودة عام 1956، وهي تلفظ اليوم أنفاسها الأخيرة تحت أقدام سلطة غارقة في عنصريتها. إن استمرار هذه الممارسات يعني أن السودان كما نعرفه قد انتهى فعلاً، وأن ما تبقى هو كيان مريض تحكمه عصابة لا تؤمن بالمواطنة ولا ترى في الناس سوى ملامح الدم ولون البشرة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!