
عماد جدو
في التجارب السياسية والعسكرية الحديثة، لا تُكسر البنادق فقط بالقوة النارية، بل تُكسر أيضًا عندما تفقد مشروعها الأخلاقي والسياسي، أو حين تتحول من أداة “تحرير” إلى وسيلة للهيمنة والاحتكار والإقصاء. وهذه الفكرة حاضرة في كثير من تجارب المنطقة، سواء في فلسطين أو السودان، مع اختلاف السياقات والتاريخ والواقع السياسي.
لقد ارتبط اسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالبندقية باعتبارها رمزًا للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي. غير أن التجربة الفلسطينية أظهرت أن البندقية وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار أو تحقيق المشروع الوطني إذا دخلت في عزلة سياسية أو حصار اقتصادي أو صراع داخلي مع بقية المكونات الوطنية. فكلما طال أمد الحرب، أصبح المجتمع نفسه تحت ضغط هائل، وبدأت الأسئلة تتصاعد حول كلفة الصراع ومستقبل القضية وإدارة السلطة والحياة المدنية.
ورغم أن قضية فلسطين تختلف جذريًا عن الصراع السوداني من حيث الطبيعة والسياق، إلا أن هناك تشابهًا في فكرة “البندقية الأيديولوجية”؛ أي السلاح الذي يتحول من أداة مرتبطة بقضية عامة إلى أداة مرتبطة ببقاء تنظيم أو مشروع سياسي بعينه.
في السودان، ارتبطت الحركة الإسلامية السودانية منذ انقلاب 1989 بمشروع التمكين داخل الدولة، حيث أعادت تشكيل مؤسسات الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام وفق رؤية تنظيمية مغلقة. ومع مرور السنوات، لم تعد البندقية مرتبطة فقط بمفهوم “الدولة”، بل أصبحت مرتبطة بحماية شبكات النفوذ والسلطة والمصالح الاقتصادية والسياسية للحركة الإسلامية وحلفائها داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
ومن هنا ظهرت الأزمة الكبرى:
حين تصبح الدولة نفسها رهينة لتنظيم سياسي، يتحول أي صراع عسكري إلى معركة وجود بالنسبة لذلك التنظيم، لا معركة وطنية جامعة.
وفي هذا السياق، برزت قوات الدعم السريع باعتبارها قوة عسكرية كانت جزءًا من المنظومة الأمنية للدولة، ثم دخلت لاحقًا في صراع مفتوح مع المراكز المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية. وقد قدّمت قوات الدعم السريع خطابًا سياسيًا وإعلاميًا يقوم على أن الحرب ليست مجرد نزاع بين جيش ومتمردين، بل مواجهة مع ما تصفه بـ“هيمنة الإسلاميين” على القرار العسكري والسياسي في السودان.
ومن زاوية تحليلية، يمكن القول إن الحرب الحالية أسهمت في “كسر بندقية” الحركة الإسلامية السودانية بعدة طرق:
أولًا: كشف البنية التنظيمية داخل المؤسسة العسكرية
الحرب أخرجت إلى العلن حجم التشابك بين بعض مراكز القوة العسكرية وبين شبكات الحركة الإسلامية، وهو أمر كان يُدار لسنوات داخل مؤسسات الدولة بصورة غير معلنة.
ثانيًا: سقوط الخطاب التعبوي القديم
الشعارات التي استخدمت لعقود مثل “حماية الشريعة” أو “المشروع الحضاري” فقدت كثيرًا من تأثيرها وسط قطاعات واسعة من السودانيين الذين باتوا ينظرون إلى نتائج التجربة من زاوية الحرب والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي.
ثالثًا: انتقال المعركة إلى المجال الاجتماعي
لم تعد المواجهة عسكرية فقط، بل أصبحت معركة روايات ووعي مجتمعي، خاصة بعد تصاعد الاتهامات المتعلقة بإشعال الحرب وإفشال التحول المدني.
رابعًا: ظهور قوى مسلحة مضادة
إن بروز قوات الدعم السريع كقوة قادرة على مواجهة مراكز النفوذ التقليدية داخل المؤسسة العسكرية مثّل تحولًا كبيرًا في ميزان القوة الذي ظل لعقود محتكرًا بواسطة الدولة العميقة المرتبطة بالحركة الإسلامية.
لكن، في المقابل، فإن خطورة المشهد السوداني تكمن في أن كسر بندقية طرف لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة. فالتجارب الإقليمية تثبت أن انهيار مركز قوة قد يفتح الباب أمام تعدد البنادق بدل إنهاء منطق السلاح نفسه.
لذلك فإن التحدي الحقيقي في السودان ليس فقط في إضعاف نفوذ الإسلاميين داخل الدولة، بل في بناء مشروع وطني جديد يقوم علي جيش قومي مهني بعيد عن
الأيديولوجيا،
سلطة مدنية ديمقراطية،عدالة انتقالية .
وإنهاء استخدام الدين أو القبيلة أو السلاح كوسائل للهيمنة السياسية.
إن أخطر ما تواجهه الدول ليس وجود بندقية واحدة، بل هناك بنادق .تساعد بندقية الإسلاميين وهي علي سبيل المثال لا للحرب.(بندقية المشتركة .وبندقية الدراعة وبندقية ترك وبندقية شيبة ضرار )إلى صراع بنادق. وعندما يحدث ذلك، يصبح الوطن نفسه ساحة مفتوحة للاستنزاف، وتضيع الحدود بين الدولة والتنظيم، وبين المقاومة والسلطة، وبين حماية الوطن وحماية النفوذ. خطورة المشهد ومآلات صراع البنادق
إن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في إضعاف مركز التنظيم العقائدي، بل في محاولات هذه “البنادق المساعدة” تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لتعدد الجيوش وأمراء الحرب. إن تمدد هذه المجموعات (المشتركة، الدراعة، وتشكيلات الشرق) يهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي وتحويل الصراع السياسي إلى اقتتال أهلي مستدام يستنزف الدولة ومؤسساتها.
خلاصة تحليلية:
إن صناعة الاستقرار الحقيقي في السودان، كما في أي تجربة إقليمية أخرى، تتطلب ما هو أبعد من مجرد هزيمة التنظيم عقائدياً؛ إنها تستلزم تجفيف منابع “البنادق المستعارة”، وإنهاء استخدام الدين أو القبيلة لشرعنة السلاح، والوصول الصارم إلى سلطة مدنية ديمقراطية وجيش قومي موحد وخالٍ تماماً من الفيروسات الأيديولوجية.




