الخطاب المصري بين وهم «الدفاع المشترك» وضرورة الاصطفاف الوطني حول حكومة تأسيس
لصديق المريود..أريزونا – الولايات المتحدة الأمريكية

كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ (113)
الصديق المريود..أريزونا – الولايات المتحدة الأمريكية
ليس الخطاب المصري الأخير سوى ذروة خطاب وصاية قديم يُعاد تدويره بأدوات جديدة، ومحاولة مكشوفة لإحياء نفوذٍ فقد مشروعيته وسنده القانوني والسياسي. التلويح بما سُمّي «اتفاقية الدفاع المشترك» ووضع «خطوط حمراء» داخل السيادة السودانية، بالتزامن مع زيارة قائد عصابة بورسودان و نظام الفصل العنصري عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا يعبّر عن حرص على السودان بقدر ما يكشف نزوعًا إلى الوصاية واستدعاء أوهام انتهى زمانها. فالسودان اليوم ليس «ملفًا» في درج الأمن القومي لأي دولة، بل شعبٌ واعٍ يطالب بسيادته كاملة غير منقوصة.
الحقيقة التي يتجاهلها الخطاب المصري أن لا اتفاقية دفاع مشترك نافذة بين السودان ومصر. ما يُستدعى اليوم يعود إلى ترتيبات أُبرمت مع نظام مايو، وسقطت بسقوطه، وأُلغيت صراحة خلال الديمقراطية الثالثة تنفيذًا لمطالب ثورة رجب – السادس من أبريل 1985 التي أطاحت بنظام نميري وطيّرت معها مؤسسات «التكامل» المصنوعة على مقاس التبعية. التلويح بتفعيل اتفاقية ملغاة ليس إلا مكابرة قانونية تشبه إنكار الطلاق بعد وقوعه، ومحاولة فرض أمرٍ واقع بالخطاب حين تعجز الوقائع.
هذا السلوك ليس طارئًا على التاريخ. فمنذ العهد العثماني، ومرورًا بالحكم الثنائي البريطاني–المصري، ظل السودان هامشًا تابعًا تُستنزف موارده ولا تُصان إرادته. وبعد الاستقلال، لم تتوقف القاهرة الرسمية عن تعطيل المسار الديمقراطي السوداني؛ دعمت الانقلاب تلو الانقلاب، وحاربت كل حكومة مدنية مستقلة لأنها لم تقبل الوصاية ولم ترضَ أن تكون تابعًا. وهكذا قُطعت التجارب المدنية، وأُعيد إنتاج العسكر، حتى انفجرت البلاد في حربٍ متوحشة يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.
الادعاء بالحرص على «وحدة السودان» ينهار أمام هذا السجل. فالوحدة لا تُحفظ بدعم الاستبداد، ولا بتغذية الانقلابات، ولا بتمكين قوى أيديولوجية مختطفة للمؤسسات. الوحدة تُبنى بالشرعية الشعبية، وبالعدالة، وبحكومة مدنية تعبّر عن السودانيين. أما حديث «دعم مؤسسات الدولة» مع العلم بأنها واقعة تحت قبضة الإسلاميين، فليس إلا تحايلاً لغويًا للهروب من تسمية الأشياء بأسمائها، ومحاولة لإدامة الأمر الواقع تحت ستار القانون الدولي.
لقد تحوّل مفهوم «الأمن القومي المصري» حين يُسقَط على السودان إلى أيديولوجيا جامدة تُستدعى انتقائيًا لتبرير التدخل وإقصاء السودانيين من تقرير مصيرهم. يُضخّم هذا المفهوم في الحالة السودانية، ويكاد يغيب في ساحات أخرى رغم تشابك المصالح، فيتحول من إطار تحليلي إلى عقيدة تبريرية. والنتيجة سياسة فشلٍ مزمن: قراءة بيروقراطية للأحداث، غياب للخيال السياسي، ومخاصمة دائمة للقوى المدنية السودانية التي تمثل الطريق الأقصر لعلاقة صحية ومصالح مشتركة.
في هذا السياق، يُروَّج لخطاب «الرباعية» والهدنة الإنسانية وخريطة الطريق، لكن كل ذلك يفقد معناه إن استُخدم غطاءً لإدامة السيطرة العسكرية أو لإقصاء القوى المدنية. السلام لا يُفرض من أعلى، ولا يُبنى على التهديد، ولا يستقيم دون عملية سياسية حقيقية تقود إلى حكومة مدنية مستقلة بإرادة السودانيين، وتضع حدًا لدور السلاح في السياسة.
من هنا، فإن اللحظة الراهنة تفرض على السودانيين الالتفاف حول حكومة تأسيس تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، وتعيد تعريف العلاقة مع الجوار على أساس الندية والاحترام المتبادل. حكومة تقول بوضوح: نعم للتعاون، لا للتبعية؛ نعم للمصالح المشتركة، لا للتهديد والابتزاز؛ نعم للسلام، لا لوصاية العسكر ولا لاستعمارٍ جديد مهما تلونت شعاراته
الدفاع عن السودان اليوم واجب وطني وأخلاقي: دفاع عن الأرض والقرار والذاكرة، وعن حق الأجيال القادمة في دولة لا تُدار من الخارج. وقد قال الأجداد يوم واجهوا الغزاة:
نحن قومٌ إذا استُبيحت ديارُنا
جعلنا من صدورِنا الأسوارا
وقال شاعر السودان في لحظة نداء:
هذا الشعبُ أقوى من الطغاة جميعهم
وأشدُّ بأسًا حين يُستدعى النزال
الخزي والعار لسياساتٍ عطّلت الديمقراطية، ودعمت الانقلابات، وأسهمت في إطالة أمد المأساة. أما المجد، فسيظل حليف هذا الشعب الذي علّم المنطقة معنى الصمود، وكتب بدمه أن السيادة تُنتزع ولا تُوهَب. السودان للسودانيين، وسيبقى كذلك، مهما ارتفعت الأصوات ومهما اشتدت التهديدات




