
سهيبة مريش … نيالا البحير
إذا تأملنا واقع الدولة السودانية اليوم، سنجد أنفسنا أمام كيانٍ لا يُشبه الدولة الحديثة في شيء. ما نراه ليس مؤسسات فاعلة تدير الشأن العام بعقلية وطنية، بل جزر معزولة، وأقطاعات مغلقة، ولوبيات تناوبت على السلطة بالعنف المادي والسياسي، حتى تحوّل جهاز الدولة إلى جسدٍ ميت يُدار بالعادة لا بالعقل.
الخدمة المدنية التي يُفترض أن تكون العمود الفقري لأي دولة، فقدت معناها ودورها منذ زمن بعيد. هي اليوم مبانٍ شاهقة بلا روح، ومكاتب مكتظة بلا إنتاج، وموظفون يأتون صباحًا ويغادرون مساءً، كأنهم يؤدّون طقوسًا يومية في انتظار لا ينتهي. أحلامهم ماتت تحت ركام الروتين، وطاقاتهم ذابت في فناجين الشاي، وونسات لا تُثمر سوى مزيد من الإحباط.
في مكاتب الخدمة المدنية، تتكرر المشاهد ذاتها: أوراق متراكمة، ملفات منسية، إنترنت يُستهلك في متابعة المسلسلات لا في إنجاز المعاملات، وأجهزة حاسوب تحوّلت إلى أدوات للملل لا للعمل. كبار في السنّ يجلسون في مواقع القيادة منذ عقود، يحتكرون القرار، يقتلون روح التجديد، ويقفون كجدارٍ عازلٍ بين طموحات الشباب وإمكانيات التغيير.
لكن المأساة الأكبر أن هؤلاء الموظفين ليسوا جميعهم فاشلين، بل كثيرٌ منهم ضحايا منظومة فاشلة. هم خريجون أكفاء، يحملون شهادات علمية، ولديهم طموح وقدرة على العطاء، لكنهم محاصرون بقيادات بيروقراطية متحجرة، لا تعرف من الإصلاح سوى تغيير لون الملفات أو إضافة توقيع جديد على ورقة قديمة.
الخدمة المدنية في السودان تحتاج إلى إصلاح جذري لا تجميل سطحي. فحين تجد مؤسسة تضم عشرات الموظفين بلا مهام حقيقية، يتقاضون رواتب وحوافز من خزينة الدولة دون مردود إنتاجي، فاعلم أن المرض في النظام نفسه لا في الأفراد. إن الدولة التي تُهدر طاقة شبابها في الفراغ، وتدفن كفاءاتها في المكاتب الخاملة، إنما تكتب شهادة وفاتها بيدها.
ما تحتاجه البلاد هو ثورة إدارية حديثة، تُعيد بناء الخدمة المدنية على أسس من الكفاءة والشفافية والتكنولوجيا. يجب إدخال الأنظمة الرقمية، وتحديث أدوات العمل بما يتماشى مع متطلبات الحياة الحديثة، وإتاحة الفرص لجيل الشباب الذي يحمل روح المبادرة والابتكار. فهؤلاء هم القادرون على تحويل موارد السودان الهائلة من خامٍ يُصدّر بلا عائد، إلى منتجات وصناعات تُدرّ الدخل وتُنعش الاقتصاد.
كفانا دفنًا لأحلام الشباب تحت ركام البيروقراطية.
كفانا إدارة وطنٍ عظيم بعقلية الملفات الصفراء والمكاتب المغلقة.
لقد آن الأوان أن نُنقذ الخدمة المدنية من موتها الرحيم، قبل أن تتجلّط شرايين الدولة تمامًا.




