رأي

الطريقُ إلى السودانِ الجديدِ يبدأُ بإسقاطِ الدولةِ القديمة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تتحول المؤسسة التي وُجدت لحماية الوطن إلى أكبر عائق أمام ولادته، يصبح إصلاحها مستحيلاً، ويصبح تأسيس الوطن من جديد ضرورةً لا خياراً

لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، ولا مجرد حربٍ أهلية عابرة يمكن احتواؤها بتسوية سياسية تقليدية أو اتفاق هش لتقاسم النفوذ. ما يجري في السودان اليوم هو انفجارٌ تاريخي متأخر لبنية دولةٍ معطوبة تأسست منذ البداية على اختلالات عميقة في مفهوم السلطة، والهوية، والعلاقة بين المركز والهامش، وبين المجتمع والمؤسسة العسكرية.

الخطأ الأكبر الذي ظل يتكرر في كل مراحل التاريخ السوداني الحديث هو الاعتقاد بأن الجيش يمكن أن يكون أداةً لحماية التحول الديمقراطي، بينما تشير الوقائع التاريخية بوضوح إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية كانت، في معظم المراحل، الأداة الرئيسية لإجهاض أي مشروع وطني مدني حديث.

فهذا الجيش لم ينشأ أصلاً بوصفه جيشاً وطنياً حديثاً يعبر عن الإرادة الجمعية للسودانيين، بل تكوّن قبل ميلاد الدولة السودانية نفسها بعقود طويلة، في سياقات استعمارية معقدة، وظل منذ نشأته خاضعاً لعقيدة أمنية مرتبطة بحماية السلطة المركزية أكثر من ارتباطها بحماية الشعب أو بناء الأمة.

ومنذ الاستقلال، لم يعرف السودان استقراراً سياسياً حقيقياً إلا وكان الجيش أحد أسباب تقويضه. فمن انقلاب إبراهيم عبود إلى انقلاب جعفر نميري، ثم انقلاب الحركة الإسلامية في 1989، ظلت المؤسسة العسكرية هي البوابة التي عبرت منها كل الأنظمة الشمولية إلى الحكم. وحتى الثورات الشعبية الكبرى التي خرج فيها السودانيون مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، انتهت دائماً إما بالانقلاب عليها أو اختطافها بواسطة العسكر.

الأخطر من ذلك أن الجيش السوداني لم يكتفِ بالتدخل في السياسة، بل تحوّل مع الوقت إلى مركز ضخم لإنتاج الأزمات نفسها. فبدلاً من بناء مشروع وطني جامع، ساهم في تكريس التفاوت التاريخي بين المركز والهامش، وتعامل مع قطاعات واسعة من السودانيين باعتبارها “أطرافاً متمردة” ينبغي إخضاعها بالقوة لا دمجها بالمواطنة والعدالة.

وفي جنوب السودان، ارتبط اسم المؤسسة العسكرية بحرب طويلة أزهقت أرواح الملايين وعمّقت الكراهية والانقسام، قبل أن تنتهي بانفصال الجنوب نفسه. وفي دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، تحولت الحرب إلى وسيلة دائمة لإدارة الدولة، بينما ظلت المجتمعات المحلية تدفع الثمن من دمائها ومواردها ومستقبل أجيالها

ثم جاءت الكارثة الأكبر حين سمح هذا الجيش، بفعل هشاشته البنيوية وارتهاناته السياسية، باختراق الدولة نفسها من قبل التنظيمات الأيديولوجية والمصالح الإقليمية. فتحولت المؤسسة العسكرية تدريجياً من مؤسسة قومية إلى ساحة صراع نفوذ بين الإسلاميين، وشبكات المصالح الاقتصادية، والأجندات الخارجية.

ولعل أحد أخطر مظاهر هذا الارتهان تمثل في العلاقة المختلة مع مصر، حيث ظل السودان لعقود يتعامل بوصفه مجالاً أمنياً تابعاً للرؤية المصرية، لا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة. فمن اتفاقيات مياه النيل المجحفة، إلى السكوت عن احتلال أراضٍ سودانية، إلى التعاطي مع السودان كحديقة خلفية يجب التحكم في استقرارها السياسي، ظلت القاهرة ترى أن أي نهضة سودانية مستقلة قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة بصورة لا تخدم مصالحها التقليدية.

ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول المؤسسة العسكرية السودانية، في كثير من الأحيان، إلى قناة للتأثير المصري داخل السودان، سواء عبر العقيدة الأمنية، أو التدريب، أو التحالفات السياسية، أو حتى إدارة الملفات الاستراتيجية الكبرى. والنتيجة النهائية كانت دولة ضعيفة السيادة، مرتبكة الهوية، عاجزة عن اتخاذ قرارها الوطني باستقلال كامل.

لكن الأزمة لا تتعلق فقط بالخارج، بل بطبيعة المؤسسة نفسها. فالجيش الذي يفشل في بناء عقيدة قتالية وطنية جامعة، ويتورط في الاقتصاد والسياسة وصناعة المليشيات والتحالفات القبلية، يفقد تدريجياً صفته كجيش قومي. وعندما تتحول المؤسسة العسكرية إلى لاعب سياسي واقتصادي وأمني في الوقت نفسه، فإنها تصبح جزءاً من الأزمة البنيوية، لا أداة لحلها.

لهذا فإن أي حديث اليوم عن “العودة إلى ما قبل الحرب” أو إعادة إنتاج ذات المؤسسة العسكرية القديمة عبر تسويات شكلية، ليس سوى محاولة لإعادة تدوير الكارثة نفسها بصورة أكثر عنفاً. لأن المشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص فقط، بل في البنية التي أنتجت الاستبداد والحرب والانهيار.

إن السودان لا يحتاج إلى هدنة سياسية قصيرة العمر بقدر ما يحتاج إلى مشروع تأسيسي جديد يعيد تعريف الدولة نفسها: ما معنى الوطن؟ من يملك السلطة؟ كيف تُوزع الموارد؟ وما طبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع؟

الحل الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الدولة السودانية القديمة وصلت إلى نهايتها التاريخية. وأن أي مشروع للمستقبل لا بد أن يقوم على عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية عادلة، تُبنى على المواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، والفيدرالية الحقيقية، واستقلال القرار الوطني، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس مهنية وقومية صارمة.

فالدول لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل تنهار حين تفشل نخبها في فهم جذور الأزمة، وحين تواصل الهروب من مواجهة الحقيقة. والحقيقة المؤلمة في السودان هي أن استمرار الاعتماد على ذات البنية العسكرية القديمة يعني ببساطة استمرار إنتاج الحرب بصورة أخرى.

لهذا لم يعد السؤال اليوم: كيف نوقف الحرب فقط؟

بل: كيف نمنع السودان من العودة إلى الأسباب التي صنعت الحرب منذ البداية؟

ذلك هو السؤال الذي سيحدد إن كان السودان سيولد من تحت الرماد دولةً جديدة… أم سيظل أسيراً لدائرة الدم والانهيار إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!