رأي

آن لشعوب الهامش أن تُفكّر خارج الأسوار المغلقة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لقد آن الأوان لشعوب الهامش في السودان أن تُعيد النظر في طرائق تفكيرها وأن تتحرّر من أنماط الوعي التقليدي التي كبّلتها ردحًا طويلًا من الزمن. فالعواطف الدينية والعشائرية، رغم ما تحمله من قيم الانتماء والوجدان الجمعي، أصبحت اليوم من أهم العوائق أمام تشكّل وعي نقدي حرّ قادر على إنتاج معرفة جديدة وموقف فكري صلب من الذات والواقع. لا يمكن لأمةٍ أن تتقدّم وهي أسيرة العاطفة والولاء الضيق، لأنّ التغيير الحقيقي يبدأ من تحرير العقل من القيود التي تُغلِّف الوعي وتمنع الرؤية الواضحة.

إنّ التفكير النقدي العميق هو السبيل الأوحد أمام شعوب الهامش لتفكيك منظومة التهميش المزمن التي لم تنشأ صدفة، بل تأسّست على بنى فكرية وثقافية واقتصادية رسّختها الدولة المركزية منذ نشأتها الأولى. لذلك لا يكفي أن نُطالب بالعدالة من الخارج، بل علينا أن نسائل ذواتنا أولًا: لماذا بقينا في موقع الضحية كل هذا الزمن؟ ما الذي جعلنا نُسلّم عقولنا للخرافة ونُعطّل قدرتنا على الفعل والتأثير؟

أما الحلول التي تأتي من خارج الحدود، فهي غالبًا غير مستوعبة لطبيعة القضايا ولا لطبيعة المجتمعات التي تسعى لمساعدتها. ولذلك نجدها تعالج مظاهر الأزمات دون التوغّل في جذورها. فهي تتحدث عن وقف الحرب وتوزيع المساعدات الإنسانية، لكنها لا تُقارب الأسئلة الجوهرية حول أسباب استمرار الحروب وعدم استقرار الدولة، ولا تمسّ القضايا البنيوية المتمثلة في الظلم التاريخي والتفاوت الاقتصادي والتمييز الثقافي الذي يُغذي دوامة الصراع.

لقد ظل السودان طوال تاريخه الحديث أسير نمطٍ متكرر من الاتفاقيات التي تُوقّع لتُخترق، ومن العهود التي تُعلن لتُجهض. ذلك لأنّ الحكومات المركزية لم تتعامل مع قضايا الهامش باعتبارها شأنًا وطنيًا يتطلب حلولًا جذرية، بل كأزمات أمنية أو سياسية مؤقتة تُحلّ بالترضيات والمناصب. وهكذا ظلّت كل اتفاقيات السلام مجرّد تسويات فوقية لا تمسّ جذور الخلل التاريخي الذي رافق تكوين الدولة السودانية نفسها.

إنّ التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي من الخارج، فـ “لا يحكّ جلدك مثل ظفرك”. الشعوب المهمّشة إن لم تُمسك بزمام أمرها، وتُعيد بناء وعيها على أسس النقد والعقل والتنوير، ستبقى رهينةً لانتظارٍ أبدي لحلولٍ لن تأتي.

إنّ كسر الدائرة المغلقة يبدأ من الداخل، من جرأة طرح الأسئلة الصعبة، ومن الاستعداد لمراجعة كل المسلّمات الفكرية والاجتماعية التي تربينا عليها. فالهامش الذي لا يُفكّر خارج المألوف سيبقى هامشًا، أما الذي يمتلك شجاعة النقد والمساءلة فسيصنع مركزه بذاته، ويكتب تاريخه بيده لا بأقلام الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!