رأي

قراءة في الجذر البنيوي للأزمة السودانية (1956–1964)

مها طبيق

 

بقلم : مها الهادي طبيق

عندما نال السودان استقلاله في الأول من يناير عام 1956 ، ظنّ الناس أن مرحلة جديدة من الحرية والعدالة والوحدة قد بدأت. لكن سرعان ما اتضح أن الاستقلال لم يكن ميلاد دولة حقيقية ، وإنما ظهر جليا أنه مجرد انتقال للسلطة من المستعمر إلى نخبة محدودة ، ورثت جهازًا إداريًا هشًا من الاستعمار ، دون أن تمتلك مشروعًا وطنيًا يجمع الجميع .

منذ اللحظة الأولى ، كان من المفترض أن يُبنى عقد اجتماعي يضم كل مكونات البلاد ، لكن الذي حدث هو العكس . تأسست دولة مركزية ضيقة تحكم من الخرطوم ، ويسيطر عليها أبناء الشمال النيلي ، بينما ظلت الأطراف — وخاصة الجنوب — بعيدة عن المشهد السياسي تمامًا .

ترك البريطانيون وراءهم دولة مصممة للسيطرة بلا مشاركة . الخرطوم كانت مركز القرار والإدارة ، والشمال النيلي خُصص له التعليم والمناصب ، بينما حُكم الجنوب والغرب والشرق بعقلية ” المناطق المقفولة” ، فحُرم سكانها من التعليم والفرص . بهذه الصورة ، وُلد السودان منقسمًا في بنيته الثقافية والاجتماعية ، لا بين شمال وجنوب فقط ، بل بين نخبة متعلمة تمتلك القرار ، وأغلبية مهمشة بلا صوت ولا تمثيل .

أما الأحزاب التي تسلمت الحكم بعد الاستقلال ، مثل الأمة والوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي ، فكانت أحزاب بلا دولة وامتدادات لطائفية دينية . حزب الأمة اعتمد على الأنصار وإرث المهدية ، بينما استند الحزب الاتحادي إلى الختمية وصلاته بمصر ، أما اليسار فظل نخبوياً محدود التأثير في المدن والجامعات . هذه القوى انشغلت بصراع الهوية أكثر من انشغالها ببناء الوطن. تساءلت : هل السودان عربي أم إفريقي ؟ إسلامي أم علماني ؟ ولم تقدم إجابة تجمع الناس حول مشروع وطني واحد ، فبدأت الأزمة التي ستتطور لاحقًا إلى حروب أهلية وانقلابات عسكرية متكررة .

وكان الجنوب النموذج الأوضح لغياب العقد الاجتماعي. ففي عام 1955 ، أي قبل إعلان الاستقلال بأشهر قليلة ، اندلع أول تمرد عسكري في مدينة توريت ، احتجاجًا على استبدال الضباط الجنوبيين بآخرين شماليين بعد رحيل البريطانيين . لكن رد الحكومة الجديدة كان عنيفًا ، إذ لجأت إلى القمع بدلًا من الحوار . ومنذ تلك اللحظة ، أصبحت الحرب وسيلة لإدارة التنوع بدل حمايته ، وشعر الجنوبيون أن الاستقلال لم يغير شيئًا في واقعهم ، بل استبدل سيدًا بآخر أكثر ظلما .

لم تُبن مؤسسات الدولة على أساس المواطنة ، بل على الولاء والانتماء . لم يكن هناك إصلاح إداري حقيقي ، ولا توزيع عادل للموارد ، ولا تمثيل سياسي متوازن . وهكذا نشأت دولة هشة تفتقر إلى الإجماع الوطني ، تُحكم من المركز وتُقاوم من الأطراف ، حتى بات الفشل جزءًا من بنيتها الأولى . ومن رحم هذا الفشل البنيوي ، خرجت الانقلابات والتمرد ، وكأن البلاد محكومة بلعنة التأسيس الخاطئ .

الدول الناجحة تبنى بعقد اجتماعي يضمن مشاركة المواطنين في القرار ، ويوازن بين الحقوق والواجبات. لكن السودان بُني على عقد سلطوي طبقي ، تحكمه نخبة صغيرة باسم الدين أو العرق أو الجغرافيا ، فيما بقيت الأغلبية على الهامش . لذلك ، عندما وقع انقلاب عبود عام 1958، لم يجد مقاومة تُذكر، لأن الدولة نفسها لم تكن ديمقراطية في جوهرها .

حقيقة الأمر إنّ ما قبل أكتوبر لم يكن مرحلة تأسيس حقيقي للدولة السودانية . في تلك السنوات تكوّنت دولة بلا هوية جامعة ، ونخب بلا رؤية ، وعدالة بلا مضمون . وعندما اندلعت ثورة أكتوبر 1964، كانت إعلانًا عن سقوط النسخة الأولى من العقد الفاشل ، وكشفًا للشرخ العميق الذي ما زال يرافق السودان حتى اليوم .

مها الهادي طبيق

16 اكتوبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!