رأي

بين إعادة البناء وإعادة الخطأ: العلمانية لا تُصلح الكنائس بل تُصلح العدالة

عبدالله محمد ادم - كمبالا

عبدالله محمد ادم – كمبالا
انتشرت اخبار تفيد بان السيد فارس النور – حاكم الخرطوم المعين من حكومة تحالف (تأسيس) -قد اعلن عن اول قراراته بإعادة بناء كنيسة دمرها إسلاميون متشددون، ظاهريًّا كتأكيد على رفض الظلم ضد غير المسلمين،
ان صحت الانباء فيعتبر هذا القرار اختبارًا حقيقيًّا لفهم العلمانية و قد فشل فيه الحاكم فشلًا ذريعًا ، لان قراره يعد خروجًا على العلمانية،
و هو عين الخلط بين العدالة والإحسان ،
فالعلمانية لا تعني أن تتحول الدولة إلى جهة خيرية ترمم أماكن العبادة، لكن دورها الأساسي هو تحقيق العدالة و محاسبة الجناة الذين دمروا الكنيسة، وتعويض المتضررين عبر القضاء. لان إعادة البناء المباشر من قبل الحكومة تحوّل جريمة كراهية إلى مشروع إنشائي وتطمس مسؤولية المُجرمين، انه انتهاك لمبدأ الحياد ،فالحكومة العلمانية يجب أن تظل على مسافة واحدة من جميع الأديان ، و حين تبني الكنيسة بمال عام، تتحول إلى راعٍ للطوائف الدينية و هذا يُضعف شرعيتها كمُحايد، ويفتح الباب لاستحقاقات مماثلة من طوائف أخرى.
لو التزمت الحكومة بدورها العلماني الحقيقي، لوجهت ضحايا الهجوم إلى القضاء، وساندتهم قانونيًّا لمقاضاة الجناة والتعويض، و بذلك كان سيرسل رسالةً واضحة، بأن الدولة تحمي *حقوق* المواطن لا رموزه الدينية و أن العدالة هي الوسيلة الوحيدة لردع التعصب، و الذي كان ينبغي للحاكم أن يفعله هو فتح تحقيق قضائي سريع ومحايد في الجريمة، ومحاسبة كل من شارك فيها من الجيش أو الكتائب والخطوة الثانية تمكين أهل الكنيسة من المطالبة *باسمهم* (لا باسم الحكومة) بتعويضات قضائية تغطي إعادة البناء، ثم إصدار بيان يُذكّر بأن الدولة العلمانية تحمي *حرية الضمير*، وأن تدمير دور العبادة جريمة لا تسقط بالتقادم ،فقرار إعادة البناء ( ان صح) – رغم نواياه الظاهرية الطيبة – يحوّل العلمانية إلى ديكور سياسي و يُعمّق تبعية الأقليات للسلطة (بدل تمكينها بحقوق) و ايضا يُربك مفهوم المواطنة ، فبدل أن يُعامل الناس كأصحاب حقوق متساوية، يُعاملون كطوائف تتنافس على رضا الدولة.
ان العلمانية الحقيقية تقف خلف القضاء لا خلف الجرافات و الدرس الأعمق الذي فات حاكم الخرطوم الجديد هو أن العلمانية لا تنتصر لغير المسلمين ببناء كنائس، بل بمنحهم سلاح العدالة المتكافئ ،لاان إعادة البناء دون محاسبة تُشبه تضميد الجرح مع استمرار النزيف ، و السودان في حاجة إلى دولة ترفع سيف القانون على من ينشرون الكراهية، لا إلى دولة تلمّع صورتها بإسمنت وطوب ,فلو أعدتَ بناء ألف كنيسة بلا محاكمة الجناة، فأنت لم تُصلح الظلم،يا سيادة الحاكم ، بل غطّيته بطبقة من الطلاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!