رأي

الطيران الذي يستهدف الزعماء… حين تخاف الدولة من شعبها

عبدالرحمن أبو رندة... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

من دارفور إلى كردفان، تتكرر مشاهد الموت بطائراتٍ مسيّرة تحمل توقيع الجيش المختطف، في مشهدٍ يجسّد حالة الخوف التي تعيشها سلطة المركز من اتساع قاعدة التأييد الشعبي لقوات الدعم السريع في مناطق الهامش.

فما عاد القصف يستهدف الجبهات، بل صار يطارد القيادات الأهلية والرموز المجتمعية التي تمثل ضمير تلك الشعوب وصوتها العاقل.

في أقل من شهر، فقد السودان ثلاثًا من أبرز شخصياته الأهلية: الأمير عبدالقادر منعم منصور، الناظر سليمان جابر سهل، والشرتاية آدم صبي. قُتل اثنان منهم، ونجا الثالث من محاولة اغتيالٍ غادرة. لم يكن القصد التصفية الشخصية فحسب، بل إرسال رسالة سياسية مفادها أن الحياد مرفوض، وأن الصمت جريمة.

تتعامل سلطات بورتسودان مع كل من يرفض الانخراط في صفوف الجيش باعتباره “عدوًا للدولة”، وتتهم المجتمعات التي تؤيد الدعم السريع بأنها “حواضن إرهابية” و“قبائل غير سودانية”. هذا الخطاب الإقصائي يعيد إنتاج ذات عقلية الدولة الاستعمارية التي قسمت السودان إلى “مركزٍ متحضر” و“هامشٍ متخلف”، وها هي اليوم تعيد المشهد نفسه بأدوات أكثر عنفًا ودموية.

إن ما يجري ليس مجرد حربٍ عسكرية، بل حرب على الوعي الجمعي لمناطق الهامش التي بدأت تستعيد ثقتها بنفسها وبقدرتها على صياغة مستقبل مختلف.

لقد تحولت قوات الدعم السريع، في وجدان تلك الشعوب، إلى رمزٍ للتحرر من هيمنة المركز، وإلى أملٍ في إقامة دولة عادلة تُبنى على المواطنة لا الامتياز. وهذا ما أرعب سلطة بورتسودان، ودفعها إلى استخدام سلاح الجو لإسكات الرموز الأهلية التي ترفض الانخراط في حرب الإبادة ضد مواطنيها.

اغتيال الزعماء في المزروب ليس إلا حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف المنظم لمجتمعاتٍ قررت أن تقول “كفى” لعقود التهميش والتمييز.

لكن التاريخ علّمنا أن القنابل لا تقتل الأفكار، وأن الشعوب حين تُدرك وعيها الجمعي لا يمكن إخضاعها مجددًا.

الهامش اليوم أكثر وعيًا من أي وقتٍ مضى،

وأقوى من أن يُهزم…

فالقضية لم تعد عن أشخاصٍ يُغتالون، بل عن أمةٍ تنهض من رمادها لتكتب تاريخها من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!