رأي

دولة الدم.. وحين يعيد التافهون إنتاج الاستعمار

د. خالد تارس

د. خالد تارس

لم يكن اغتيال الناظر سليمان جابر سهل في عقر داره بالمزروب حادثاً عابراً، ولا خطأ تكتيكياً في مسرح الحرب العبثية. هو فعلٌ مقصود؛ ورسالةٌ تحدد من اعتمد الطيران أدوات (تصفية) للذاكرة الوطنية ورموز المجتمع الأهلي. هنا تكمن الحقيقة المُرة، أن ما نراه اليوم ليس مجرد تصادم على السلطة، هو استمرارٌ لسياسة مركزية (عنصرية)، ورثتها نخبٌ تآمرت تاريخياً مع قوى استعمارية لجعل السودان مشروعاً مركزياً متوحّداً على قاعدة تهميش الأطراف، وإقصاء رموز المجتمعات التي اسهمت في صناعة الحرية.
لم يعد ما يجري في السودان اليوم مجرد حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، ولا صراعاً على سلطة عابرة. ما يحدث هو عملية إعادة إنتاجٍ ممنهجة لجوهر الدولة المركزية العنصرية التي صنعها الاستعمار، وورثها تلاميذه من النخب السياسية التي لم ترَ في البلاد سوى مستعمرة داخلية تُدار من الخرطوم وتُستنزف أطرافها.!

إن اغتيال رموز الإدارة الأهلية لقبيلة المجانين يوم أمس، ليس خطأً في توجيه الطائرة المسيرة. كان رسالةً مكتوبة بلغة الدم، مفادها أن المجتمعات الأصيلة التي أنجبت السودان الحرّ باتت هدفاً مشروعاً للدولة المركزية، دولة المستعمر التي تشكلت بتحالف مع وكلاء محليين، ومازالت تمارس مهمة القمع، وتهميش الأطراف، وتصفية الرموز التي تحمل في وجدانها ما تبقّى من شرف وذاكرة وطنية.

إن الطائرات التي تحلق فوق سماء الكومة، وأم بادر، وحمرة الشيخ والمزروب، هي في الحقيقة لا تبحث عن مواقع عسكرية للدعم السريع، بقدر ما تنتقي ضحاياها بعناية؛ من قيادات ورموز الإدارة الأهلية الراسخة، وأصحاب الكلمة التي تنطق بلسان الأرض، من أسرة الناظر مشاور جمعة سهل الذي عزز مقترح استقلال السودان من داخل البرلمان في 1955. من يوجه هذه الطائرات الغادره لا يقاتل في حرب، بل ينفّذ مخطط إبادة رمزية تاريخية لمجتمعات حفظت هوية السودان الحقيقية، (الهوية) التي تشكّلت قبل أن يُرسم حدودها على الورق.

إن الدولة المركزية التي ولدت من رحم الاستعمار لم تكن يوماً دولة للوطن، هي دولةً للنخبة المتحالفة مع المستعمرين. هذه النخبة ظلت تعيد إنتاج العنصرية عبر أدوات وحقب متجددة، تارةً باسم الدين، وتارةً أخرى باسم الوطنية الزائفة، واليوم باسم (الكرامة)، لكن حقيقة ما يُحمى اليوم هو امتيازات مركزية معروفة، وما يُباد هو التنوع السوداني بتاريخه السياسي والاجتماعي الباذخ.!

لقد استُخدمت الحرب الحالية كغطاءٍ لإكمال مشروع سياسي قديم يسعى لإزالة المجتمعات التي قاومت المستعمر وساهمت في صناعة دولة سودانية مستقله. المجتمعات التي رفعت راية الحرية والعدالة قبل سبعة عقود من الزمان، وقدمت رجالها فداءً من أجل وطنٍ واحد يسمى السودان. واليوم، يُجازَون بالقصف الجوي والتصفية العرقية، فقط لأنهم لم يبدّلوا ولاءهم، ولم يرضخوا لمعادلات حرب العمالة والارتزاق التي تحدد قيمة الإنسان بمدى خضوعه وخنوعه.!

إن اغتيال الناظر سليمان سهل ليس جريمة ضد فرد، بل جريمة ضد التاريخ نفسه. فهو امتداد لسياسة التمييز التي صنعتها نخب الخرطوم، النخب التي لم تعرف الوطن إلا كمزرعة، و المواطن إلا خادمٍ في أطرافها. ما يحدث هو قتل للمعنى السوداني الذي يتشكّل من دم القبائل وعروقها التي لم تعرف سوى الشرف والكرامة.
من يملك الطائرات اليوم، هو ذاته من ورث روح المستعمر بالأمس. الفرق الوحيد أن المستعمر كان يأتي من وراء الحدود، واليوم صار بيننا يرتدي عباءة الدين ويرفع شعارات الوطنية، لكن جوهرة إعادة إنتاج مشروع الإبادة والتقسيم ذاته.

في لحظات كهذه، لا يمكن الصمت لان السودان يُختطف من جديد بآليات جديدة ، لا على يد جيوش غازية، بل بأيدٍ محلية تتغذى على الحقد والكراهية، وتقتات من دم الأبرياء. ومع ذلك، يبقى الأمل في المجتمعات المحافظة التي اجتمعوا على إفناءها، لأنها الوحيده التي ما تزال تملك الإرث النضالي الذي لا يُقصف، إرث الحرية والكرامة والوفاء للوطن.
فالدولة التي تقتل رموزها، وتستهدف جذورها، لا يمكن أن تبقى دولة محترمة. هي دولة التافهون والقتلة، ودولة القتلة لا يُبنى لها مجد ولا سيادة، بل تُهدم على رؤوس من صنعوها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!