رأي

إجماع الشعب السوداني… أي إجماع؟ قراءة نقدية في وهم الوحدة وخلل المفاهيم

خضر كوة

 

خضر كوة 

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، ارتفعت أصوات تقدم نفسها بوصفها “خبراء استراتيجيين”، وتردد بثقة أن الشعب السوداني كله يقف مع الجيش، وأن هناك إجماعًا شعبيًا خلف شعار: جيش واحد… شعب واحد. غير أن السؤال الجوهري الذي يتجاوز الشعارات هو: أي إجماع هذا؟ وهل عرف السودان يومًا ما إجماعًا وطنيًا حقيقيًا في قضية عامة، صغيرة كانت أو مصيرية؟

هذا الادعاء السائد يقوم على ثلاث مغالطات مفاهيمية رئيسية: مفهوم “إجماع الشعب السوداني”، ومفهوم “السيادة الوطنية”، وفكرة أن الشعب السوداني “مسالم بالفطرة”. ولتفكيك هذه المغالطات، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي، لا إلى الخطاب السياسي المعبأ بالعاطفة.

ففي تاريخ السودان الحديث، لم يحدث أي استفتاء حقيقي لقياس إرادة الشعب في مسألة مصيرية. حتى الاستقلال نفسه لم يكن ثمرة إرادة جماهيرية، بل قرارًا برلمانيًا في ديسمبر 1955، رغم النص الدستوري الواضح بوجوب إجراء استفتاء عام. ومنذ تلك اللحظة الأولى، بدأ السودان حياته السياسية بخرق إرادة المواطنين وتجاوز رأيهم. وبينما احتفل الشمال بالاستقلال، كان الجنوب يدخل حربه الأولى الممتدة من عام 1955 إلى 1972، والتي ستقود لاحقًا إلى الحرب الثانية ثم إلى استفتاء الانفصال عام 2011، حيث صوّت 98.8٪ من الجنوبيين لصالح تكوين دولتهم. وهذا الرقم وحده يكشف حجم الشرخ التاريخي، ويؤكد أن البلاد لم تمتلك يومًا ذاكرة موحدة تسمح بوجود “إجماع سوداني”.

وما جرى في الجنوب ليس خاصًا به وحده، فدارفور تعيش منذ الثمانينيات نزاعات دامية متصلة، وجبال النوبة والنيل الأزرق تحمل رؤى سياسية تختلف جذريًا عن خطاب المركز، وشرق السودان يعارض أي تصور للدولة لا يراعي حقوقه التاريخية، بينما يصعد في الشمال النيلي خطاب إحياء الدولة الكوشية ردًا على مشاريع سياسية تُطرح دون مشاورة أصحاب الأرض. فكيف يمكن الادعاء بوجود إجماع في بلد لم يتفق أهله يومًا على تعريف الوطن نفسه؟ وهنا تبرز مقولة المؤرخ أرنولد توينبي: “لقد صنعنا دولًا بلا مقومات الدولة، وحدودًا بلا مبررات الحدود، وشعوبًا بلا ذاكرة مشتركة”، وهي مقولة تنطبق على السودان بدقة مدهشة.

أما مفهوم السيادة الوطنية الذي يُرفع اليوم بكثرة، فقد تحول إلى شعار يُستخدم في غير موضعه. فالسيادة في جوهرها ليست خطبًا حماسية، ولا حشودًا تُحشد بالقوة، ولا نصرًا عسكريًا على جزء آخر من الشعب، ولا انتخابات تصنع نتائجها خلف الأبواب المغلقة. السيادة الحقيقية تقاس بكرامة المواطن، وعدالة توزيع الموارد، وقدرة الدولة على توفير التعليم والعلاج والأمن، واحترام التعدد والاختلاف. لكن في السودان، جرى استغلال مفهوم السيادة لتبرير القمع، من عنبر جودة 1956 إلى مجزرة القيادة العامة 2019، إذ صار الشعار وسيلة لحماية السلطة لا لحماية المواطنين.

أما الادعاء بأن الشعب السوداني “مسالم بالفطرة”، فهو الآخر يفتقر إلى الدقة. صحيح أن الثقافة السودانية تحمل قيم الكرم واللين، لكن واقع سبعين عامًا من التاريخ يروي غير ذلك: صراعات قبلية متكررة، حروب أهلية في الجنوب ودارفور، مذابح موثقة في الخرطوم والمجلد والضعين والجبلين، تطهير عرقي منذ 2003، ومجازر رسمية مثل العيلفون وبورتسودان وكجبار وهبة سبتمبر، ثم مجزرة القيادة، وصولًا إلى جرائم الحرب التي شهدتها الخرطوم والجزيرة منذ 2023. هذا السجل لا يشير إلى شعب مسالم بقدر ما يشير إلى دولة فشلت في إدارة التنوع ومجتمع عجزت نخبه عن بناء نظام قانوني عادل.

إن أخطر ما في خطاب “إجماع الشعب” أنه يصنع وعيًا زائفًا، ويخلق شرعية وهمية للحرب، ويُغيب التنوع الحقيقي، ويُلغي حقوق الأقاليم المهمشة، ويدفع المجتمع لقبول صراعات لا علاقة له باختيارها. وهو خطاب يحوّل الأزمة السياسية إلى صراع هوية، وهو شكل من أخطر أشكال التضليل.

إن أي حديث عن إجماع سوداني يجب أن يقوم على الاعتراف بالتاريخ، ومواجهة الجرائم والانتهاكات، وإعادة تعريف السيادة بما يحفظ كرامة الإنسان، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم التنوع ويضمن العدالة الانتقالية. أما التعميمات من قبيل أن الشعب كله مع الجيش أو مع الحرب أو محب للسلام، فهي اختزال شديد يتجاهل تاريخًا طويلًا من الانقسامات والآلام.

إن تحرير المفاهيم من الأسر السياسي هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة المواطنة التي يستحقها السودانيون، لا الدولة التي تُفرض عليهم من فوق المنابر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!