رأي

الحرب حين تشتعل… تلتهم المعاني وتحرق الكلمات

عبدالرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبورندة – بنسلفانيا

حين تشتعل الحرب، لا تكتفي بابتلاع المدن والقرى، بل تمتد نيرانها إلى اللغة نفسها، فتأكل المعاني، وتحوّل الكلمات إلى رماد. الحرب ليست فقط انفجاراً في الجغرافيا، بل أيضاً في الذاكرة والمعجم. فالكلمة التي كانت تنبض بالحياة، تصير فجأة مجرّدة من الرحمة، ملوثة برائحة البارود، ثقيلة كالخوف.

في السودان، كما في كل أرض يمرّ بها الجنون، تتغير اللغة قبل أن تتغير الخرائط. تدخل مفردات جديدة إلى الحياة اليومية، وتنسحب أخرى في صمت. يصبح الحديث عن “المتحركات” و“المسيرات” و“التحصينات” جزءاً من الحوار العادي، وتتحول مفردات مثل “القنص” و“النهب” إلى لغة سائلة تخرج من فم الناس بلا دهشة. اللغة التي كانت تُستخدم للغناء والقصائد والمواويل، تُستعمل اليوم لوصف الموت، وكأنها لم تُخلق يوماً للحب ولا للسلام.

لكن أخطر ما تفعله الحرب ليس فقط إدخال قاموس جديد، بل تشويه القاموس القديم. الكلمات التي كانت عنواناً للقيم تُسحب إلى ساحة الصراع وتُعاد شحنها بدلالات مختلفة. “الخيانة” تُستخدم كسلاح ضد الخصوم السياسيين، و“الوطنية” تتحول إلى شعار يُرفع لتبرير القتل. حتى “الكرامة” و“الشرف” صارت تُستدعى لتغطي الدماء، بينما تُفرغ “العدالة” من معناها الحقيقي لتصبح مجرد لافتة في خطاب المنتصر.

الكلمة في زمن الحرب ليست بريئة. إنها رصاصة أخرى، وربما أكثر خطراً لأنها لا تُرى. كل طرف يسعى لامتلاك اللغة ليمنح نفسه شرعية، ويسلب خصمه حق الوجود المعنوي. تسمية واحدة كفيلة بأن تغيّر مسار الذاكرة: فحين يُقال “مليشيا” أو “قوة نظامية”، يتحدد تلقائياً من هو المجرم ومن هو البطل. وهكذا يتحول المعجم إلى ساحة معركة موازية، تُدار فيها الحروب الرمزية بالتوازي مع المعارك الميدانية.

ومع ذلك، تولد من بين الركام لغة أخرى. لغة البسطاء، الناجين، والذين لم يجدوا في الإعلام مساحة للبوح. هذه اللغة الهامسة التي تأتي من الخيام والملاجئ تحمل صدقاً لا تحمله البيانات الرسمية. إنها اللغة التي تروي دون تزيين، التي تحكي الألم كما هو، وتعيد إلى الضحايا أسماءهم التي شطبتها نشرات الأخبار. في كل تسجيل، وفي كل تدوينة، هناك محاولة مقاومة صامتة ضد محو الحقيقة.

ولأن الإنسان لا يحتمل الفجيعة الصافية، يخلق وسيلته للنجاة عبر السخرية. في أزمنة الحروب، تولد النكتة من قلب الرعب، وتتحول المأساة إلى ضحكة مُرة. يضحك الناس كي لا ينهاروا، ويحولون الكارثة إلى نكتة كي يستطيعوا التعايش معها. تلك السخرية ليست استهزاءً بالموت، بل حيلة نفسية لحماية ما تبقّى من توازنهم الإنساني.

غير أن أخطر ما قد تفعله الحرب باللغة هو التطبيع مع القسوة. حين تتكرر كلمات مثل “مجزرة” و“إبادة” و“اغتصاب” يومياً في وسائل الإعلام بلا ارتجاف، يفقد الناس حساسيتهم تجاه الألم. يصبح الرعب خبراً عادياً، ويصبح الضحايا أرقاماً بلا أسماء. هنا تتحول اللغة من وسيلة للفهم إلى أداة للنسيان.

ورغم كل ذلك، لا تزال اللغة قادرة على المقاومة. يمكن للكلمة أن تكون جداراً أخيراً في وجه الخراب، وسجلاً يحفظ ما حاولت الحرب محوه. الكتابة — حين تكون صادقة — تتحول إلى فعل إنقاذ. فالشهادة اللفظية ليست مجرد رواية للأحداث، بل مقاومة ضد التزييف. أن نسمي الأشياء بأسمائها، أن نعيد للضحايا أصواتهم، أن نمنع تحويل الجريمة إلى “حادث”، هذا هو جوهر مقاومة اللغة للعنف.

اللغة، مثل الإنسان، يمكن أن تُجرح وتتعافى. يمكن أن تُستخدم للهدم أو للبناء. وفي نهاية المطاف، حين يسكت السلاح، لن يبقى في الذاكرة سوى الكلمات. فهل سنحتفظ بلغة الدم والاتهام، أم سنكتب بلغة ترمم الجرح وتعيد للإنسان معناه؟

إن الحرب، حين تشتعل، لا تكتفي بحرق البيوت، بل تحرق اللغة أيضاً. لكنها — في الوقت نفسه — تذكّرنا بقيمة الكلمة، لأنها ما تبقّى لنا حين يخفت كل صوت آخر. فالمعركة الأخيرة ليست على الأرض، بل على المعنى. وإذا نجونا من النار، فلننجُ من صمتها أيضاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!