
إيمان التجاني
لم يعد الإعلام اليوم مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أصبح لاعبًا أساسيًا في تشكيل وعي الشعوب وصناعة المواقف. وحين يختار الإعلام الانحياز، يفقد اسمه ورسالته. هذا ما حدث لقناة الجزيرة، التي كانت تُقدَّم يومًا كمثال للمهنية، فإذا بها تتحول إلى أداة دعائية في يد الحركة الإسلامية وجيشها في السودان، لتسقط سقوطًا مدويًا في امتحان الحياد والموضوعية.
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م، لم تكتفِ الجزيرة بتغطية الأحداث، بل انغمست في توجيهها وتلوينها. أصبح خطابها الإعلامي منحازًا بشكل سافر لتنظيم الإخوان المسلمين وذراعهم العسكرية، في حين غابت الرواية المدنية المتوازنة. بل تحولت نشراتها وبرامجها إلى ما يشبه البيانات الرسمية للجيش، وكأنها فقدت استقلالها التحريري تمامًا.
برامج مثل “نافذة السودان” و“ديوان السودان” صارت منصات لتلميع وجوه الإسلاميين وترويج دعايتهم. الأسئلة تُصاغ لخدمة الرواية العسكرية، والمداخلات المعارضة تُقاطع أو تُبتَر، والضيوف المدنيون يُستبدلون بمحللين ينتمون فكريًا إلى التيار الإسلامي. لقد فقدت الجزيرة القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الإعلام والتحريض.
حين تُرتكب الجرائم في دارفور وكردفان والجنينة، وحين يُقتل المدنيون بلا ذنب، تتوارى الجزيرة عن المشهد أو تقدم رواية تبرر الفعل الإجرامي. تُظهر القاتل مدافعًا عن الوطن، وتُقدّم الضحية كمتمرد أو عميل. وهكذا، بدلًا من كشف الحقيقة، أصبحت القناة تذبحها كما تُذبح الضحايا في الميدان، في واحدة من أسوأ صور التواطؤ الإعلامي في التاريخ السوداني الحديث.
التحقيقات والمعلومات المسربة من داخل القناة تؤكد أن هناك خلية تحريرية إخوانية تدير تغطية الشأن السوداني، وتتحكم في الأخبار والتقارير والضيوف. بعض هؤلاء الإعلاميين يرتبطون مباشرة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ويعملون على تمرير رسائل الحركة الإسلامية السودانية وتلميع رموزها.
في مواجهة هذا الانحراف، جاء موقف تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) واضحًا وحاسمًا، إذ أعلن تعليق تعامله الإعلامي مع قناة الجزيرة بسبب فقدانها الحياد، وقيامها بترويج الأكاذيب وتزييف الحقائق. هذا القرار ليس مجرد رد فعل، بل موقف سياسي وإعلامي مبدئي لحماية وعي الشعب السوداني من التضليل، وللتأكيد على أن الحقيقة لا تُشترى بالمشاهدات.
المهنية الإعلامية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي التزام أخلاقي تجاه الحقيقة. والإعلام الذي يختار الانحياز يفقد احترامه، مهما بلغت شهرته أو قوته. إن على الجزيرة أن تدرك أن ثقة الناس لا تُشترى، وأن من يتلاعب بالوعي الجماعي سيجد نفسه يومًا معزولًا عن ضمائر الشعوب التي كان يظن أنه قادر على توجيهها.
لقد اختار تحالف تأسيس الوقوف في صف الحقيقة، بينما اختارت الجزيرة الاصطفاف إلى جانب الباطل. وبين الموقفين مسافة من الشرف لا تُقاس. فالإعلام الذي يزيّف وعي الناس أخطر من السلاح الذي يقتلهم، لأن الكلمة المسمومة لا تقتل الجسد فحسب، بل تميت الضمير. والتاريخ لا يرحم الإعلام الكاذب، بل يسجله في صفوف من خانوا الحقيقة، ووقفوا ضد شعوبهم في لحظة امتحان الوعي والضمير.




