رأي

الجزيرة.. حين تنحاز الكاميرا وتغيب الحقيقة

ابو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

في عالم اليوم، لم تعد الكاميرا مجرد أداة تنقل المشهد، بل غدت سلاحًا يُوجّه بدقة نحو الوعي الجمعي. والإعلام، الذي كان يومًا وسيلة للتنوير، صار في أيدي البعض أداة لتزييف الوعي وتوجيه الرأي العام. وقناة الجزيرة، التي طالما تغنّت بالحياد والمهنية، سقطت في اختبار السودان، حين اختارت الاصطفاف إلى جانب طرف بعينه في حرب يخوضها الإخوان بلباس الجيش.

منذ أن اشتعلت نيران الحرب في السودان، كانت الجزيرة حاضرة، لكن حضورها لم يكن لصالح الحقيقة. فقد بدت التغطيات الإخبارية منحازة للجيش الذي اختطفته الحركة الإسلامية، في تجاهل تام للفظائع والانتهاكات التي طالت المدنيين. هذا الانحياز لم يكن مجرد خطأ مهني، بل خيار سياسي محسوب، يخدم أجندة تنظيم الإخوان المسلمين الذي يجد في قطر ووسائل إعلامها سندًا ودعماً ثابتًا.

الجزيرة لم تكتفِ بانتقاء ضيوفها بعناية لتمرير رواية الإسلاميين، بل تجاوزت ذلك إلى توجيه الأسئلة بطريقة توحي بالإدانة المسبقة لمن يخالف تلك الرواية. البرامج التي كان يُفترض أن تكون منابر للرأي المتوازن، تحوّلت إلى محاكمات علنية للمدنيين وقوى التغيير، بينما يجلس ممثلو الحركة الإسلامية في موقع المحامي والقاضي معًا.

برنامج “نافذة السودان” مثال صارخ على هذا الانحراف. فبدل أن يعرض المشهد من زواياه كافة، صار منبرًا لترويج الأكاذيب، ولبث تقارير منحازة تُشيطن قوات الدعم السريع، وتتجاهل جرائم المليشيات الإسلامية التي تمارس القتل على الهوية. وحتى برنامج “ديوان السودان” الاجتماعي، الذي يُفترض أنه مساحة للتلاقي والتعافي، تحوّل إلى أداة ناعمة لتجميل وجه الإخوان.

هذا السلوك الإعلامي المنحرف لا يمكن فصله عن الخلفية الفكرية والسياسية التي تحكم القناة. فمعروف أن العديد من الكوادر التحريرية في الجزيرة يدينون بالولاء لتنظيم الإخوان المسلمين، ويعملون على خدمة أجندته العابرة للحدود. لذا لم يكن مفاجئًا أن تنحاز القناة لطرف الإسلاميين في السودان، فذلك امتداد طبيعي لخطها السياسي والإعلامي منذ عقدين.

حين أعلن تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) تعليق تعامله الإعلامي مع الجزيرة، كان يعلن في الحقيقة وقوفه مع قيم المهنية والحياد، لا ضد قناة بعينها. فقد آن الأوان لأن يُحاسَب الإعلام على أفعاله، وأن يدرك أن المصداقية لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدر احترام الحقيقة. فالموقف من الجزيرة ليس خصومة، بل دفاع عن الوعي الوطني وحق السودانيين في إعلام حرّ لا يخضع لأجندات خارجية.

إن الانحياز الإعلامي، خاصة في أوقات الحروب، أخطر من الرصاص. لأن الكلمة المضللة تصنع رأيًا عامًا زائفًا، وتغطي على جرائم المجرمين. وما تمارسه الجزيرة اليوم هو إعادة إنتاج خطاب الإسلاميين بوسائل عصرية، هدفه تلميع مشروع دمّر السودان لعقود، وإعادة إحياء تنظيم لفظه الشعب ودفنه التاريخ.

ختامًا، ستبقى الحقيقة أقوى من الكاميرا، وأطول عمرًا من النشرة. ومهما تعددت المنابر التي تحاول تزوير الوعي، فإن وعي السودانيين أصبح أعمق من أن يُخدع. لقد سقطت الجزيرة في امتحان السودان، تمامًا كما سقط الإخوان في امتحان الحكم. وكما لفظهم الشارع، سيلفظ الشعب كل وسيلة إعلام جعلت من الكذب عقيدة، ومن التضليل مهنة، ومن الحياد شعارًا بلا مضمون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!