
أبوعبدالله الراشدي
نأمل ونرغب ونطمح أن يكون لنا وطن يحتضننا، وطن نتقاسم خيراته بعدالة، وندافع عنه لأنه يمثل الملاذ الآمن لكل مواطن. غير أن هذا الحلم ظلّ يراوح في مكانه بفعل قوى الردة التي تتربص بالبلاد، ونخب أدمنت الفشل، وجيش بلا عقيدة وطنية، ونظام إسلاموي أحال السودان إلى أزمة مستمرة. فالوطن الذي يجب أن يكون مساحة للحرية والعدالة، أصبح ملعبًا للصراعات والمصالح الشخصية، ما جعل تحقيق الأمن والاستقرار مهمة شبه مستحيلة.
لقد أثبتت التجربة السودانية منذ الاستقلال أن الدولة التي تقوم على الامتيازات والاحتكار لا يمكن أن تصمد، إذ إن غياب العدالة والمساواة أنتج أزمات متكررة، وصراعات مستمرة، وحروباً أدت إلى تدمير المجتمعات المحلية وإضعاف اللحمة الوطنية. إعادة صياغة الدولة السودانية لم تعد خياراً سياسياً، بل أصبحت ضرورة وطنية ملحة تتطلب إعادة ترتيب المؤسسات ومراجعة السياسات بما يخدم الشعب بكافة مكوناته.
منذ البداية، لم تستطع النخب المتعاقبة بناء دولة تمثل جميع المواطنين، بل كرّست سياسات الإقصاء، مما جعل قطاعات واسعة من الشعب خارج معادلة القرار. الهوية الوطنية نفسها لم تُبنى على قاعدة شاملة، إذ ظل الانتماء القبلي أو الجهوي أو الحزبي يتفوق على الولاء للوطن، ما أدى إلى شعور دائم بالغبن لدى الأقاليم والمكونات المختلفة. ولم تؤدِ الأنظمة السابقة أي جهد فعلي لمعالجة هذا التفاوت، فظل الوطن مفككاً على مستوى الانتماء والممارسة.
في قلب هذه الأزمة يكمن غياب التربية الوطنية والوعي المدني، إذ إن التعليم والإعلام لم يشكلا أدوات لتنشئة جيل يمتلك حس الانتماء والمواطنة، بل أصبحت وسائل لتكريس الولاءات الضيقة وتوجيه الانتباه بعيداً عن القضايا الجوهرية. إن غياب هذا الوعي جعل المواطن غير قادر على المشاركة الفاعلة في بناء الدولة، وجعل السودان عرضة للتفكك والانقسامات العميقة التي استغلتها النخب لتحقيق مصالحها الضيقة.
الأمر نفسه ينعكس في البنية الاقتصادية، إذ إن النظام الاقتصادي تم تصميمه لخدمة فئة محدودة تسيطر على الموارد وتحتكر السلطة، بينما يعاني أغلب المواطنين من الفقر والبطالة وانخفاض قيمة العملة الوطنية. هذا الهيكل المعيشي غير العادل يولّد الإحباط ويؤجج الصراعات ويضعف قدرة الدولة على القيام بواجباتها تجاه الشعب، وهو ما يفسر استمرار عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
تظل قضية توزيع السلطة والثروة جوهر الصراع السوداني. فلا يمكن الحديث عن استقرار سياسي أو تنمية مستدامة ما لم تُعاد هيكلة النظام السياسي والاقتصادي، بحيث تضمن مشاركة جميع المكونات في صنع القرار وتقاسم الموارد، وتوقف الاحتكارات التي أنتجتها عقود من الحكم المركزي والسياسات القائمة على الولاءات الضيقة. العدالة هنا ليست شعاراً، بل قاعدة أساسية لاستعادة الثقة بين المواطن والدولة.
السودان اليوم يقف على مفترق طرق: إما مواجهة الواقع بشجاعة وإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمساواة والمواطنة، أو الاستمرار في دوامة الفشل التي ورثتها النخب القديمة. المستقبل لن يُبنى بالشعارات أو بالمزايدات الأيديولوجية، بل بإرادة حقيقية تعترف بالواقع وتعيد ترتيب الأولويات الوطنية. إن تحقيق هذا المشروع الوطني هو السبيل الوحيد لضمان وطن يسع الجميع، ويحمي حقوق كل مواطن بغض النظر عن قبيلته أو منطقته أو معتقده، ويعيد للسودان مكانته كدولة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء.




