
فاطمة لقاوة
لم تعد الحرب في السودان تُدار بوصفها مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى مشروع بقاء سياسي تُدفع كلفته من دماء المدنيين وأرزاقهم ومستقبل الدولة، فكلما طال أمد الصراع، إزداد وضوح النهج الذي تتبناه السلطة المسيطرة في بورتسودان، والقائم على التصعيد العسكري، وتوسيع دائرة العنف، وتقديم القوة بوصفها الوسيلة الوحيدة لإدارة الأزمة، بينما تتراجع السياسة والحوار إلى الهامش.
التصريحات المتكررة الصادرة عن قادة المؤسسة العسكرية، وفي مقدمتهم عبد الفتاح البرهان وياسر العطا، والتي تتحدث عن الحسم العسكري وإستخدام أقصى درجات القوة، لا تُقرأ بإعتبارها مجرد خطابات تعبئة، بل تؤكد أنها مؤشرات على رؤية سياسية ترى أن إستمرار الحرب أقل كلفة من تقديم أي تنازل سياسي، ومن هنا برز مفهوم “القوة المميتة” بوصفه تعبيراً عن عقلية تعتبر المدنيين خسائر جانبية مقبولة في سبيل الحفاظ على السلطة.
هذه السياسة لم تنتج إنتصارات حاسمة، لكنها أنتجت أكبر كارثة إنسانية في تاريخ السودان الحديث، مدن مدمرة، وملايين النازحين، وإنهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وتفاقم المجاعة، بينما تتحول المناطق المدنية إلى ساحات قتال مفتوحة.
في كردفان ودارفور وغيرها، أصبح المواطن الأعزل هو الضحية الأولى لخيارات عسكرية لا تعترف بحدود القانون الدولي الإنساني ولا بمبدأ حماية المدنيين،ويثير إستمرار العمليات العسكرية وسط الأحياء السكنية، والقصف الذي يطال المنشآت المدنية، والإتهامات المتداولة بشأن إستخدام وسائل قتال محظورة، مخاوف متزايدة من إتساع نطاق الإنتهاكات.
رغم صِحة هذه الإتهامات، فإنها تستوجب تحقيقات دولية مستقلة وشفافة، لأن إستخدام أي أسلحة محظورة دولياً، إذا ثبت، يمثل جريمة حرب تستوجب المساءلة الفردية.
سياسياً، لم تعد بورتسودان تمثل مجرد مركز لإدارة الدولة، بل أصبحت مركزاً لإدارة الحرب،فبدلاً من البحث عن تسوية توقف نزيف البلاد، أستُخدمت مؤسسات الدولة لتعبئة المجتمع نحو معركة مفتوحة، تُقدَّم فيها الشعارات العسكرية على حساب أولويات المواطن في الأمن والغذاء والدواء. وبذلك أصبحت الحرب وسيلة لإطالة عمر السلطة أكثر من كونها وسيلة لحماية الدولة.
المجتمع الدولي، رغم العقوبات والإدانات المتكررة، فما زال عاجزاً عن فرض ضغوط كافية توقف آلة الحرب، فقد جاءت معظم العقوبات محدودة الأثر، بينما ظلت شبكات التمويل والدعم والإلتفاف الإقتصادي تعمل بفاعلية، الأمر الذي جعل العقوبات أقرب إلى رسائل سياسية منها إلى أدوات ردع حقيقية، كما أن الحسابات الإقليمية والدولية، والخشية من إنهيار الدولة بالكامل، دفعت العديد من الفاعلين إلى تبني سياسة الإحتواء بدلاً من الحسم.
أخطر ما في المشهد السوداني اليوم ليس فقط إستمرار القتال، بل ترسيخ ثقافة ترى أن إستخدام القوة بلا ضوابط هو السبيل الوحيد للحكم، وهذه الثقافة تهدد بتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتمزيق النسيج الإجتماعي، وإطالة أمد الصراع لسنوات قادمة.
لقد أثبتت التجربة أن الحروب قد تمنح أصحاب السلاح وقتاً إضافياً في السلطة، لكنها لا تبني دولة ولا تحقق إستقراراً، وكل يوم تستمر فيه هذه السياسات يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من الإنهيار الإقتصادي، واتساع رقعة الكراهية بين السودانيين.
السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات تتوعد بالمزيد من القوة، بل إلى إرادة سياسية توقف الحرب، وتفتح الطريق أمام العدالة والمحاسبة، وتضمن حماية المدنيين وفق أحكام القانون الدولي الإنساني،فالتاريخ لا يخلّد من إمتلك السلاح، وإنما يدوّن أسماء من أنقذوا أوطانهم من الخراب، ويحاسب من جعلوا السلطة أغلى من حياة شعوبهم.
ولنا عودة بإذن الله




