
نجم الدين دريسة
يبدو أن الحزب الشيوعي السوداني يعيش حالة من “البيات الشتوي” السياسي، لا لأنه صمت عن القضايا الوطنية، بل لأنه ظل أسير مفاهيم قديمة تجاوزها الواقع وتخطتها الشعوب. فكلما انفتحت البلاد على سؤال التأسيس الجديد، عاد الحزب إلى خطابٍ مألوفٍ يكرر ذاته منذ نصف قرن، متكئاً على تحليلات أيديولوجية فقدت قدرتها على تفسير تحولات السودان الحديثة.
الورقة التي قدمها الحزب مؤخراً بعنوان “إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية” تمثل نموذجاً لهذا التناقض التاريخي. فبدلاً من أن تطرح رؤية جذرية تنسجم مع طبيعة الأزمة البنيوية للدولة السودانية، أعادت إنتاج نفس المنهج الإصلاحي القديم الذي يفترض وجود “دولة وطنية” قائمة تحتاج فقط إلى إصلاح مؤسساتها. والحقيقة أن الدولة السودانية نفسها لم تُبنَ بعد، وأن الحديث عن “إصلاح” جيشٍ هو في الأصل إرث استعماري محض، هو تجاهل لحقائق التاريخ ولبنية السلطة في السودان منذ نشأته.
الجيش السوداني لم يكن يوماً نتاج عقد اجتماعي سوداني حر، بل صنيعة استعمارية سبقت ميلاد الدولة ذاتها. فقد أنشأه المستعمر ليحمي مصالحه، واستُخدم بعد الاستقلال لخدمة نخب محددة ظلت تتبادل الأدوار في المركز وتقصي بقية مكونات الوطن. لم يكن جيشاً قومياً يوماً، بل جسداً مخترقاً بالولاءات الأيديولوجية والسياسية منذ تأسيسه، ولم يسلم حتى من تغلغل الأحزاب التي رفعت شعارات التقدم والعدالة، وعلى رأسها الحزب الشيوعي نفسه الذي استخدم شعارات “الانحياز للطبقة العاملة” كغطاء لاختراق المؤسسة العسكرية.
إن ما يسميه الحزب “إصلاحاً” ليس سوى عملية تجميل لواقع مأزوم، لأن السودان لا يعيش أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة تأسيس وطن لم يكتمل. فالشعوب السودانية الآن لا تناقش كيفية تحسين أداء الدولة القديمة، بل تبحث عن تعريف جديد للدولة نفسها، دولة تتجاوز حدود الامتيازات التاريخية، وتنهي التبعية البنيوية للمركز المصري، وتعيد توزيع السلطة والثروة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.
ولعل المدهش أن الورقة الشيوعية نفسها – من حيث المفهوم والإطار النظري – تبدو أقرب إلى مشروع “إدارة استعمارية حديثة” أكثر منها إلى مشروع وطني. فحين تطرح فكرة “إصلاح المؤسسات الأمنية عبر كسر شبكة المصالح بين السياسيين والعسكريين المرتبطة بمراكز قوى دولية”، فإنها تتحدث بلغة نظرية صحيحة شكلاً لكنها تفشل في الإجابة على السؤال الجوهري: من هو صاحب المصلحة الحقيقية في بقاء هذه الشبكات؟ أليس هو ذات النظام الذي أسسه الاستعمار وورثته النخب المتصالحة معه؟
ما يحتاجه السودان اليوم ليس ورقة “إصلاح”، بل مشروع تفكيك شامل للدولة القديمة وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لجيش وطني يولد من رحم الشعب لا من رحم الإمبراطوريات القديمة. أما الحزب الشيوعي، الذي ظل يتغنى بتاريخٍ تجاوزه الزمن، فعليه أن يراجع موقعه في هذا المشهد الجديد: إما أن يتحرر من إرث المركز الذي كان جزءاً منه، أو أن يبقى في دائرة النسيان السياسي، يتحدث عن إصلاح مؤسسات لم تعد تمثل السودان، ولا حتى ظله الباهت.
فالأوطان لا تُبنى بإصلاح أدوات المستعمر، بل بإرادة الشعوب الحرة التي قررت أن تبدأ من جديد.



