رأي

الفاشر.. حين انتصرت الإنسانية لقضية الهامش

ايمان التجاني

 

 إيمان التجاني

في لحظة فارقة من تاريخ السودان الموجوع بالحرب، قدّمت مدينة الفاشر مشهداً مختلفاً عما اعتاده الناس في ساحات النزاع. فقد خرجت أعداد من المدنيين والعسكريين من المدينة في مشهدٍ يسوده الهدوء والاطمئنان، وتبدّت على الوجوه ملامح الراحة لا الفزع، والسكينة لا الارتباك. لم تكن تلك اللقطات العابرة مجرّد مشهد ميداني، بل رسالة عميقة المعنى تؤكد أن التعامل الإنساني يمكن أن يكون أقوى من أي دعاية سياسية أو خطاب تحريضي.

لقد أظهرت قوات الدعم السريع وقوات التأسيس، من خلال هذا السلوك المنضبط والإنساني، وجهاً مختلفاً يعبّر عن الوعي الجديد الذي يتشكل في الهامش، ويدافع عن قضيته العادلة بوسائل تراعي كرامة الإنسان وتقدّر معاناته. فما جرى في الفاشر ليس مجرد انضباط عسكري أو نجاح ميداني، بل خطوة أخلاقية تعبّر عن تحوّل في العقل السياسي للهامش، الذي ظل لعقود طويلة ضحية للتشويه والتهميش في آنٍ واحد. اليوم، يقدّم الهامش نفسه لا بوصفه رديفاً للفوضى أو العنف، بل نموذجاً للانضباط والمسؤولية الإنسانية.

في المقابل، بدت الحملات الإعلامية التي تقودها جماعات الهوس الديني وقوى الردة وكأنها تترنح أمام مشاهد الواقع. تلك الجماعات التي اعتادت تزييف الوعي وإشعال الكراهية عبر الأكاذيب المنظمة، وجدت نفسها أمام حقائق مصوّرة لا يمكن نفيها ولا تزويرها. الصورة لا تكذب، والناس الذين خرجوا من الفاشر بطمأنينة وكرامة، هم أبلغ رد على كل دعايات الخوف والتخوين التي حاولت تشويه وعي السودانيين وطمس التحولات الجارية في الهامش.

إنّ ما حدث يؤكد أن قضية الهامش لم تعد محصورة في شعارات سياسية أو خطابات احتجاج، بل أصبحت رؤية إنسانية تُترجم على الأرض في سلوك يحترم الإنسان، ويحافظ على القانون، ويدرك أن النضال من أجل العدالة لا يكتمل إلا بالالتزام بالأخلاق. فالقوة التي تتقيد بالقانون الإنساني، وتلتزم بحماية المدنيين، وتتعامل مع الخارجين بإنسانية، هي القوة التي تمثل روح الثورة الحقيقية، وتعبّر عن جوهر القضية التي خرج من أجلها أبناء الهامش.

إن مشهد الفاشر ليس مجرد حدث عابر في حربٍ طويلة، بل نقطة تحول في الوعي الجمعي السوداني. فهو يثبت أن الهامش، الذي طالما صُوّر ظلماً كمصدر للفوضى، بات اليوم مرجعية أخلاقية جديدة تُعيد تعريف معنى القوة والعدالة. وعندما تنتصر الإنسانية في قلب الميدان، فإن الوطن يبدأ أخيراً في استعادة ذاته من بين أنقاض الأكاذيب، ويقترب أكثر من حلم الدولة التي تسع الجميع… دولة العدالة، والمواطنة، والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!