
د. اخلاص قرنق
كاتبة وباحثة سياسية وحقوقية
رئيس منبر صوت المرأة جوبا
يشهد الإقليم في الآونة الأخيرة تحولات عميقة تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وفي القلب من هذه التحولات يقف الملف السوداني بكل تعقيداته وتشابكاته الإقليمية والدولية. وبينما كان السودان لعقود يمثل عمقًا استراتيجيًا لمصر من جهة الجنوب، أصبح اليوم ساحة صراع مفتوح بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ومع كل يوم تتضح ملامح جديدة لموقف القاهرة وحساباتها الدقيقة.
أولاً: ثوابت مصر الاستراتيجية
منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، ظلت مصر تتعامل مع الملف السوداني وفقًا لثلاثة ثوابت لا تحيد عنها:
1. تأمين الحدود الجنوبية ومنع تحول السودان إلى ساحة للفوضى تُهدد الأمن القومي المصري.
2. الحفاظ على استقرار مجرى النيل ومشروعات المياه المشتركة، وهو خط أحمر مصري لا تقبل القاهرة التهاون فيه.
3. منع تمدد أي نفوذ معادٍ – إخواني أو إيراني – في الخرطوم أو بورتسودان، لما يمثله من خطر مباشر على الأمن العربي.
انطلاقًا من هذه الثوابت، لم تكن القاهرة يومًا “منحازة” لشخص البرهان بقدر ما كانت تسعى للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، خصوصًا المؤسسة العسكرية، باعتبارها صمام الأمان لوحدة السودان. لكن خلال العامين الماضيين بدأت تتكشف حقائق جديدة غيّرت الحسابات المصرية.
ثانيًا: البرهان بين الإخوان وإيران
أظهرت مؤشرات سياسية واستخباراتية تقاربات ومشاهدات على توجهات برلمانية وعملية لبعض المكونات داخل الخرطوم نحو محاور إقليمية تتقاطع مع طهران أو مع جماعات مسلحة مدعومة إقليميًا. هذا التحالف المحتمل، إن اتسع نطاقه، يمثل نقطة تحول خطيرة في الموقف المصري. فالقاهرة ترى في أي توسع لنفوذ طهران أو أدواتها في السودان تهديدًا لاستقرار المنطقة، وهي لن تتهاون في حماية مصالحها على طول عمقها الجنوبي.
لهذا السبب كان اللقاء بين الرئيس المصري وقائد الجيش السوداني حاسمًا؛ الرسائل المصرية واضحة: أي انخراط سوداني في محاور إقليمية معادية سيؤدي إلى إعادة ضبط العلاقات الإقليمية تجاه الخرطوم، وربما خسارة دعم عربي ودولي جوهري.
ثالثًا: حميدتي… لاعب صاعد أم ورقة ضغط؟
من ناحية ميدانية وسياسية، يُعدّ محمد حمدان دقلو لاعبًا لا يمكن تجاهله، وله عناصر قوة حقيقية:
قوات ميدانية منظمة وقادرة على التحرك والقتال في عدة مسرحيات داخل السودان.
قاعدة اقتصادية واجتماعية واسعة، خاصة في مناطق الثروة الحيوانية التي تشكل جزءًا مهمًا من الإمدادات الغذائية الإقليمية.
قدرة على بناء تحالفات إقليمية وإطلاق مبادرات تفاوضية عند الضرورة.
صانع القرار المصري يدرك أن التعامل مع واقع الدعم السريع يجب أن يكون براغماتيًا: لا مقترب أيديولوجي كامل، ولا تجاهل لطرف يملك عناصر القوة والأوراق الاقتصادية والعسكرية.
رابعًا: الإقليم يعاد تشكيله
المنطقة تشهد انقسامًا واضحًا بين محور يسعى لترسيخ الاستقرار وإزاءه محور تسعى بعض عناصره لإزعاج العمق العربي. ومع ميل أي طرف سوداني نحو المحور المعادي، تتقلّص خياراته الدبلوماسية والدعم الإقليمي.
وتشهد الدبلوماسية في المنطقة محاولات لإعادة ترتيب التحالفات: دول قد تعيد حساباتها وتبحث عن توازن جديد في ضوء مصالحها الأمنية والاقتصادية. وفي هذا السياق قد تلعب القاهرة دور المُعادل الذي يحدد من صالحه استمرار العلاقة ومن خسرها.
خامسًا: ملامح المرحلة القادمة — الأسلحة الاستراتيجية كعامل تغيير
من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تغييرات في موازين القوة داخل السودان تتأثر بعناصر عسكرية نوعية أكثر منها كمية فقط. في هذا السياق تبرز أهمية ما يمكن أن يُصنّف كـأسلحة استراتيجية، والتي تتضمن — دون حصر — أنظمة مسيرات متقدمة، قدرات إلكترونية/سيبرانية للتحكم بالمجال الجوي والاتصالات، منظومات دفاع جوي قصيرة أو متوسطة المدى، ومنظومات عتاد تمكن السيطرة على الممرات البحرية/الساحلية أو تهديدها. هذه القدرات يمكن أن تُحدث تحولًا في شروط السيطرة والإكراه:
التحكم بالمجال الجوي لم يعد يتعلق فقط بامتلاك طائرات مقاتلة متقدمة، بل بمدى القدرة على نشر شبكات مسيرّات متطورة، أنظمة إلكترونية تشويش واستطلاع، ومنظومات دفاع جوي تمكن من خلق قدر من النفوذ الجوي الإقليمي أو إغلاق فعلي للممرات.
الأسلحة الاستراتيجية غير التقليدية (أنظمة الطائرات المسيرة المسلحة والطائرات المتطورة دون طيار، شبكات الاتصالات المشفرة، قدرات الاستهداف البعيدة) قد تكون أكثر تأثيرًا على الأرض من التعويل على مقاتلات تقليدية فقط، خاصة في سيناريو الصراعات المختلطة داخل الدول الهشة.
التمويل واللوجستيات: قدرة أي طرف على الحفاظ على منصات إطلاق وذخيرة وصيانة لهذه الأنظمة تعتبر العامل الحاسم في بقاءها فاعلة على المدى المتوسط.
لو توفرت لدى طرفٍ ما في السودان قدرات من هذا النوع، يصبح بوسعه فرض تكاليف استراتيجية على خصومه وعلى قوى إقليمية تحاول التدخل، وهذا ما يفسر القلق المصري والخليجي من احتمال انتقال أو توسع مثل هذه القدرات داخل الخرطوم أو موانئ البحر الأحمر.
خاتمة: حسابات القاهرة — بين الواقعية والحدّ الأدنى من الضمانات
الخلاصة أن مصر لا تتعامل بعواطف تجاه فاعلين سودانيين؛ هي تتعامل بمصالح ثابتة: حدود آمنة، نيل مضمون، واستقرار إقليمي يضمن لها المناخ السياسي والاقتصادي الذي تحتاجه. أي طرف في السودان يتماهى مع محاور تُهدد هذه المصالح سيجد القاهرة والحلفاء الإقليميين يعيدون ترتيب أوراقهما.
في المشهد الراهن، المصالح المصرية تقود السياسة: دعم الاستقرار، عزل أي امتداد إقليمي معادٍ، والعمل مع القوى الأكثر قابلية للحوار والالتزام بضوابط الأمن الإقليمي. ومع تنامي الحديث عن وصول “أسلحة استراتيجية” إلى بعض الميليشيات أو المجموعات المسلحة، تتعاظم أهمية أن تبقى القاهرة نشطة ومؤثرة في صنع تسويات تضمن أن تكون الخرطوم شريكًا لا تهديدًا.




