
عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا
كل الأنظار الآن تتجه إلى واشنطن، حيث يجلس وفدا الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى طاولة تفاوض ربما تكون الأهم منذ اندلاع الحرب في أبريل المشؤوم. هذه المرة لا تشبه سابقاتها، فالدعم السريع يدخل الجولة وهو يحمل أجندة تأسيس جديدة تمثل رؤية تحالف يسعى إلى بناء دولة سودانية عادلة على أسس مختلفة تمامًا عن منابر جدة والمنامة، بينما يبدو وفد الجيش غارقًا في خلافات الإسلاميين الذين يرون في استمرار الحرب وسيلةً لإطالة بقائهم، لا عبورًا نحو سلامٍ حقيقي.
منذ البداية، حاولت الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، وبريطانيا) جمع الفرقاء السودانيين على طاولة واحدة لإطلاق عملية سلام شاملة. إلا أن هذه الجولة تختلف عن سابقاتها في نقطتين محوريتين:
أولاً، لأن الدعم السريع هذه المرة لا يفاوض كقوة عسكرية فحسب، بل كجزء من تحالف سياسي مدني يملك رؤية متكاملة لإعادة صياغة الدولة السودانية.
وثانيًا، لأن الضغوط الدولية بلغت ذروتها بعد أن وصلت الحرب إلى مرحلة الإنهاك الكامل لكل الأطراف، وبلغت المأساة الإنسانية حدودها القصوى.
يطرح الدعم السريع على الطاولة شروطًا غير تقليدية: لجنة دولية للتحقيق في جرائم الحرب، وكشف من أشعل فتيل المعارك، ومحاسبة كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وصولاً إلى تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وهي شروط تكشف عن رغبة في الانتقال من منطق السلاح إلى منطق العدالة، من منطق القوة إلى منطق الدولة.
في المقابل، يبدو الجيش السوداني حذرًا ومربكًا، يطالب بالسرية والكتمان في العملية التفاوضية، وكأن الخوف من العلن هو خوف من مواجهة الحقيقة. فالجيش اليوم ليس كتلة واحدة، بل أجنحة متناحرة داخل عباءة الإسلام السياسي، تتقاذفها الولاءات والمصالح.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تنجح واشنطن فيما فشلت فيه جدة والمنامة؟
هل تكون هذه الجولة بداية النهاية لحربٍ عبثية أم مجرد محطة جديدة في سلسلة المراوغات؟
ربما لم يعد أمام السودان ترف الانتظار. فالحرب التي أنهكت الجميع قد اقتربت من لحظة الحقيقة، إما سلام شامل يعيد بناء الدولة، أو انهيار تام يبتلع ما تبقى من وطن.
وفي الحالتين، لن يكون ما بعد واشنطن كما قبلها.




