
إيمان التجاني
“ليس السلام غياب الحرب، بل حضور العدالة.” — مارتن لوثر كينغ
لم يعد المشهد السوداني بحاجة إلى مزيد من الوسطاء بقدر حاجته إلى وعي وطني جديد يقرأ جذور الأزمة بصدق ويواجهها بشجاعة. فكل المبادرات المطروحة، بما في ذلك مبادرة الرباعية، تبدو كمن يحاول ترميم جدار متصدع من الخارج، بينما التآكل الحقيقي في الأساس.
فالدول الأربع التي تتحدث عن السلام تحمل في داخلها تبايناتٍ لا تخفى. ومصر، التي تمثل أحد أعمدة الرباعية، ليست وسيطًا محايدًا، بل طرفًا منخرطًا في صميم المعادلة، تنحاز بوضوح إلى المؤسسة العسكرية السودانية وتتعامل مع الحرب باعتبارها ورقة ضغطٍ إقليمية تخدم أجندتها التاريخية. أما الجيش السوداني، فهو الآخر غارق في أزمته البنيوية، مختطف من التيارات الإسلاموية التي تتنازع القرار وتوجه بوصلته وفق مصالحها الضيقة لا وفق مصلحة الوطن.
إن الحديث عن سلام حقيقي في ظل هذا الواقع الممزق يبدو نوعًا من الترف السياسي. فالاتفاقيات قد تُوقّع، لكن جذور الأزمة ستبقى قائمة، لأن السؤال الأكبر لم يُطرح بعد:
كيف يُحكم السودان؟
ذلك السؤال ليس سياسيًا فحسب، بل هو سؤال وجودي يتعلق بهوية الدولة، وبكيفية إدارة تنوعها السكاني والثقافي والاقتصادي. فالسودان لم يفشل لأنه بلد فقير، بل لأنه بلد حُكم بعقلية الإقصاء، لا بعقلية المواطنة.
الحل لا يكمن في وقف إطلاق النار فقط، بل في بناء مشروع وطني جديد يقوم على ثلاثة أعمدة:
أولها النظام الفيدرالي الذي يوزع السلطة والثروة بعدالة،
وثانيها العَلمانية التي تضمن الحريات وتصون الدين من التسييس،
وثالثها المواطنة المتساوية التي تعيد تعريف الانتماء الوطني بعيدًا عن العرق والقبيلة والطائفة.
لقد تعوّد السودانيون على أن تنتهي الحروب باتفاقيات سلام، لكنها كانت دائمًا سلامات ناقصة تخاطب النتائج لا الأسباب، وتُسكِت المدافع دون أن تُصلح النفوس. فالحرب في السودان ليست معركة حدود، بل معركة وعيٍ وعدالةٍ واعترافٍ بالآخر.
إن الاعتراف بالآخر ليس ضعفًا بل شجاعة فكرية وأخلاقية؛ فالوطن الذي لا يتسع للجميع لا يستحق أن يُدافع عنه أحد. وما دامت ذهنية الاستعلاء السلطوي تحكم السياسة، فإن أي اتفاق سيظل هشًا، وأي سلام سيكون مؤقتًا.
لقد آن الأوان لأن يُبنى السودان على فكرة جديدة لا على تسوية قديمة، على عقد اجتماعي يضع الإنسان في مركز الدولة، لا الدين ولا الجيش ولا الحزب. حينها فقط يمكن أن نخرج من دائرة الدم إلى فضاء الوطن.
فالسلام لا يُصنع بالبنادق الصامتة، بل بالعدالة الحاضرة والكرامة المصانة، وإلا سنبقى نوقّع اتفاقًا بعد آخر، بينما الوطن يغيب أكثر في ظلال التسويات.




