رأي

لماذا المفاوضات تجري في واشنطن؟ 

الطيب الزين

 

الطيب الزين  

كاتب وباحث في قضايا القيادة والإصلاح المؤسسي.

كما يقول المثل، الجواب يُقرأ من عنوانه.

فمجرد انعقاد المفاوضات في واشنطن يكفي لقراءة ما في داخل الرسالة.

إدارة ترمب اختارت أن تكون العاصمة الأمريكية هي منصة التفاوض، لا القاهرة، ولا إسطنبول، ولا الدوحة، ولا طهران، ولا أسمرا، بل واشنطن.

هذا الاختيار ليس صدفة، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الولايات المتحدة قررت أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والاستراتيجية تجاه المأساة السودانية، وأنها لن تسمح باستمرار الحرب التي شردت الملايين وهددت أمن المنطقة والعالم. واشنطن لا تفاوض من أجل المجاملة، بل ترسل إشارات حاسمة إلى كل العواصم التي دعمت الحرب، بشكل مباشر أو غير مباشر:

لقد إنتهى وقت العبث بأرواح المدنيين السودانيين.

لم يعد مقبولاً أن تُدار الحروب بالوكالة على أرض السودان، ولا أن يُستخدم شعبه كوقود لصراعات إقليمية أو حسابات أيديولوجية.

الرسالة الأمريكية تقول بوضوح إن من يراهن على إستمرار الحرب، يراهن على وهم، وإن من تواطأ في إطالة المأساة، سيُحاسب أمام التاريخ، وأمام ضمير الإنسانية.

ثلاثة أهداف واضحة تحرك الدور الأمريكي:

أولًا: وضع حد لمعاناة المدنيين

السودان يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. ملايين المشردين، آلاف القتلى، وانهيار كامل للبنية الإجتماعية. واشنطن ترى أن إنهاء الحرب ضرورة أخلاقية وسياسية لا تحتمل التأجيل.

ثانيا: تحقيق الأمن والإستقرار وعودة الحكومة المدنية

لا يمكن أن يُترك السودان رهينة للبندقية، ولا لحكم العسكر، ولا لتحالفات الإرتزاق. الدولة المدنية هي الطريق الوحيد نحو الإستقرار، والتنمية، وعودة السودان إلى الساحة الدولية كلاعب محترم لا كملف أمني.

ثالثا: إرساء العدالة الإنتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب

لا سلام بلا عدالة، ولا مستقبل بلا محاسبة. تسليم قادة النظام المجرم إلى المحكمة الجنائية الدولية شرط أساسي لبناء سودان جديد، خالٍ من الإفلات من العقاب، ومحصن ضد تكرار المأساة. السودان ليس ساحة للخراب الإيراني. واشنطن تدرك أن إيران تسعى لتحويل السودان إلى منصة لتصدير الفوضى، وتغذية الجماعات المتطرفة، وتوسيع نفوذها عبر وكلاء محليين. كما تدرك أن جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، حولت الدين إلى أداة لتجنيد المرضى النفسيين، وتبرير القتل، وتفكيك المجتمعات. لذلك فإن الدور الأمريكي في هذه المرحلة لا يقتصر على دعم السلام، بل يشمل أيضًا تفكيك شبكات الفوضى، وقطع الطريق أمام مشاريع الخراب.

رسالة إلى فلول النظام السابق وفلنقيات الارتزاق، أنتم تراهنون على سلة بيض معفنة.

لا مشروع، لا رؤية، لا أخلاق. فقط شعارات ميتة ونظام لفظه التاريخ. مهما حاول البرهان أن يناور، فكل ملفاته السرية في يد المخابرات الأمريكية، ومساحة المراوغة معدومة. الحرب ستنتهي برغم أنوفكم، والمحاسبة قادمة، والدولة المدنية ستنهض من تحت الرماد.

العودة الكبرى ستبدأ قريباً

قريباً سيعود كل المشردين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، وستُبنى الدولة المدنية على أنقاض الخراب، لا لتنتقم، بل لتعيد للسودان كرامته ومكانته. لن يُحكم السودان بعد اليوم بالبندقية، ولا بالفتاوى المسمومة، ولا بتحالفات الإرتزاق. سيُحكم بإرادة شعبه، وبقانون يحمي الضعفاء، ولا يُحصّن المجرمين. من راهن على الخراب، فليُحصي خسائره، ومن تاجر بالحرب، فليستعد للمحاسبة. نعم، الدولة المدنية قادمة، شاء من شاء وأبى من أبى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!