رأي

البرهان… حين لا يبقى في الخندق سوى الكيزان

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في السياسة، لا تُقاس قوة الحاكم بعدد البنادق التي حوله، بل بعدد الجبهات التي لا يفتحها. عبد الفتاح البرهان، بوصفه رأس سلطة الأمر الواقع بعد انقلاب 25 أكتوبر، اختار الطريق المعاكس تمامًا: توسيع الصراع، وفتح العداء مع الجميع، حتى انتهى به الأمر بلا حليف حقيقي سوى الإسلامويين (الكيزان)، أولئك الذين لا يعرفون الحلف إلا بقدر ما يخدم مشروعهم ثم يتخلّون عنه عند أول منعطف.

منذ اندلاع الحرب، لم يكتفِ البرهان بالصراع العسكري مع قوات الدعم السريع، بل نقل المعركة إلى فضاءات السياسة والدبلوماسية والمجتمع. اصطدم بالقوى المدنية، وشيطن قوى الثورة، وفتح عداءات مع لجان المقاومة، ونفّر قطاعات واسعة من الولايات المهمشة، ثم اتسعت الدائرة لتشمل الاتحاد الأفريقي، والإيقاد، وأطرافًا إقليمية مثل إثيوبيا، وصولًا إلى فتور واضح في المواقف الدولية. النتيجة: عزلة متراكمة، وخطاب مرتبك، وسلطة بلا حاضنة شعبية.

هل هو سوء تقدير أم قصدية؟

السؤال الجوهري: هل يوسّع البرهان الصراع عن جهل سياسي أم عن قصد؟ القراءة المتأنية تشير إلى أن الأمر ليس مجرد أخطاء عشوائية. البرهان يدرك—أو يُدركه من حوله—أن أي تسوية سياسية حقيقية تعني نهايته السياسية، وفتح ملف الانقلاب والحرب معًا. لذلك، تصبح الحرب والصراع الواسع أداة للبقاء، لا نتيجة عرضية.

توسيع الجبهات يخدم غرضين أساسيين:

الأول، خلط الأوراق وتذويب الحدود بين الخصوم، بحيث يظهر المشهد كصراع شامل “ضد الوطن”، لا كحرب سلطة على سلطة.

الثاني، إغلاق أبواب الحل السياسي عبر شيطنة كل من يمكن أن يكون شريكًا فيه، مدنيًا كان أو إقليميًا.

الكيزان… الحليف الوحيد والمؤقت

هنا يظهر الإسلامويون كلاعب خفي لكنه حاسم. الكيزان لا يهمهم البرهان كفرد، بل كأداة. يحتاجونه واجهة عسكرية تمنحهم فرصة العودة التدريجية إلى مفاصل الدولة، وإعادة إنتاج مشروعهم الذي أسقطته الثورة. في المقابل، يحتاجهم البرهان كشبكة تنظيمية وإعلامية وأمنية تبرر الحرب، وتخلق خطاب “المعركة الوجودية”، وتملأ فراغ العزلة.

لكن هذا التحالف غير متكافئ. البرهان هو كبش الفداء المثالي: يتحمل كلفة القرارات، ويواجه الغضب الشعبي، بينما يعمل الكيزان في الظل. متى ما انتهت صلاحيته—سياسيًا أو عسكريًا—سيتخلون عنه دون تردد، كما تخلّوا عن غيره من قبل. معيارهم الوحيد هو: هل ما زال يخدم مشروع العودة؟ إن كانت الإجابة “لا”، فسيُستبدل أو يُترك وحيدًا في الخندق.

خطاب متناقض… وسلطة تصارع الفراغ

أحد أخطر مظاهر الأزمة هو تضارب الخطاب. حديث الليل يناقضه النهار، والاتهامات تتبدل وفق اللحظة. مرةً العدو هو الدعم السريع وحده، ومرة القوى المدنية “حاضنة الحرب”، ومرة أطراف إقليمية، ومرة المجتمع الدولي. هذا الارتباك ليس علامة قوة، بل دليل سلطة فقدت البوصلة، وتصارع فراغ الشرعية بالضجيج.

في علم السياسة، الحاكم الذي يحارب في كل الاتجاهات لا ينتصر؛ بل يستنزف نفسه حتى السقوط. الحكمة تقتضي تأجيل المعارك غير الضرورية، وبناء تحالفات مرحلية، وترك منافذ للسياسة. أما الغباء السياسي—إن جاز التعبير—فهو توسيع الصراع بلا أفق، وحفر خندق قد يتحول إلى قبر.

إلى أين تمضي الأمور؟

استمرار هذا النهج يقود إلى أحد سيناريوهين:

إما إطالة الحرب بلا حسم، مع مزيد من التفكك والعزلة، حتى يصبح البرهان عبئًا حتى على حلفائه الإسلامويين.

أو محاولة إعادة تدويره دوليًا عبر تنازلات قسرية، وهو خيار تصطدم به ذاكرة الانقلاب والحرب ودماء المدنيين.

في كلتا الحالتين، الحقيقة واضحة: البرهان بلا سند شعبي، وبلا مشروع وطني، وبلا حلفاء حقيقيين. الكيزان معه اليوم، لكنهم ليسوا معه غدًا بالضرورة. وحين يُغلق آخر باب، سيكتشف أن توسيع الصراع لم يكن درعًا للحماية، بل طريقًا معبدًا للعزلة والسقوط.

الخلاصة أن ما يجري ليس دفاعًا عن دولة ولا سيادة، بل إدارة أزمة بوسائل الحرب، وخدمة مشروع إسلاموي يعرف جيدًا متى يستخدم الحاكم، ومتى يتخلّى عنه. أما السودان، فيدفع الثمن وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!