رأي

الإسلام فكرة إنسانية للحكم الرشيد: من الدعوة بالحسنى إلى الفرائض السياسية

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

«الإسلام جاء ليحرر العقول قبل أن يحكمها، ويهدي القلوب قبل أن يسيطر عليها.»

منذ أن تجلّت الرسالة المحمدية على الناس، لم يكن الإسلام مشروع قهرٍ أو سلطة، بل مشروع وعيٍ وتحريرٍ إنساني، غايته إقامة التعايش بين البشر على أساس الرحمة والعدل والمساواة. فالدعوة بالحسنى والموعظة الحسنة ليست أسلوباً خطابياً فحسب، بل هي جوهر الفكرة الإسلامية في التعامل مع الآخر، ومع الحياة، ومع السلطة نفسها.

الإسلام، في عمقه الحضاري، لم يكن دين طقوسٍ جامدة ولا نظام حكمٍ ثيوقراطيّ، بل رؤية شاملة تُوازن بين الإيمان والحرية، بين الروح والعقل، بين الفرد والمجتمع. وقد عبّر عن هذا التوازن بمقاصده الكبرى، التي يمكن تلخيصها في أربع فرائض سياسية تمثل أركان الحياة العامة في التصور الإسلامي: الحرية، المساواة، العدالة، والشورى.

فالحرية في الإسلام ليست شعارًا طارئًا، بل مبدأ أصيل ينبع من التوحيد ذاته، لأن من يوحّد الله لا يخضع لغيره. والمساواة ليست منحة من الحاكم، بل حق فطريّ يقرّه النص والعقل معًا. والعدالة هي جوهر الدين وروحه، إذ بها يُقام العمران، وتُصان الكرامة، وتُوزن الحقوق. أما الشورى، فهي التعبير العملي عن المشاركة، وهي الديمقراطية في صورتها المعاصرة، لأن لا وسيلة اليوم لإعمال الشورى إلا عبر مؤسسات تُمكّن الناس من القرار والرقابة والمساءلة.

لكن الجماعات التي ادّعت تمثيل الإسلام حولت هذه المبادئ إلى أدوات للهيمنة. اختزلت الدين في سلطة، واستبدلت الحوار بالإرهاب، والرحمة بالعنف، والشورى بالطاعة العمياء. استدعت من التاريخ نماذج الملك العضوض لتبرر حكمًا فرديًا مغلفًا بقداسة زائفة. وهكذا، شوهت الفكرة الإسلامية التي كانت تهدف إلى إقامة دولةٍ للإنسان، لا دولةٍ على الإنسان.

إن الإسلام الحقيقي لا يخاف من الحرية، لأنه قائم عليها، ولا يعادي المساواة لأنها من جوهره، ولا يرفض الديمقراطية لأنها صنو الشورى، ولا يناقض العدالة لأنها أساس الحكم في رسالته. الإسلام لا يفرض نفسه بالسيف، بل يُقنع بالعقل، ويهدي بالموعظة الحسنة، ويؤسس للحياة بالحكمة والتسامح.

لقد آن لنا أن نعيد اكتشاف الإسلام كما جاء به محمد ﷺ: دينًا يكرم الإنسان، ويقيم العدل، ويدعو إلى الحوار، ويؤمن بالتنوع سنةً من سنن الله في خلقه. فالإسلام ليس مشروعًا لتأبيد السلطة، بل مشروعٌ لتحرير الإنسان من كل سلطة تُذله أو تُقيّده.

حين نُعيد الإسلام إلى مقاصده الكبرى، نكتشف أنه ليس نقيض الدولة الحديثة، بل روحها الأخلاقية. إنه الفكرة التي يمكن أن تجمع بين الدين والعقل، بين الإيمان والمدنية، بين الحكم الرشيد والضمير الإنساني.

ذلك هو الإسلام الذي نؤمن به: إسلام الحرية لا القهر، إسلام الشورى لا الاستبداد، إسلام العدالة لا الامتياز، وإسلام المساواة لا التفرقة. إسلامٌ يجعل من الإنسان غاية الوجود، لا وسيلة في يد السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!