
تحت سماء العاصمة الخرطوم، تتكرّر مشاهد مسيرات الطائرات المسيّرة هل تغلق تلك الضربات الباب أمام خطة “العودة الطوعية” للنازحين وتُثبّط جهود إعادة تأهيل العاصمة!، حيث شكّل استهداف المسيرات لبعض المواقع الإستراتيجية كمطار الخرطوم بعد إعادة تأهيله ضربة قوية لجهود استعادة الحركة الجوية والعودة الطوعية. وأصدرت منظمة إياتا بياناً رسمياً عدّت فيه أن المطار “غير صالح لتسيير الرحلات” في ظل غياب الضمانات الأمنية، مما أدى إلى تجميد خطط تشغيله وعرقلة أي تصور لتعافي النقل الجوي في السودان.
خروج آلاف كانوا يخططون للعودة بات مهدداً، وتكوين «حالة خوف» تدفع بالمزيد للتمسّك بالبقاء خارج العاصمة أو المقاطعة الكُليّة
ويرى المحلل الأمني حسن مصطفى “أن استخدام المسيرات فوق المناطق الحضرية ليس مجرد تكتيك عسكري، بل رسالة تثبيت نفوذ، تُعيد الخرطوم إلى موقع ساحة حرب مسيرة” . من جهة أخرى، قال الباحث الدولي في الصراعات، فيدل أماكي أووسو ” إن ما يجري يعكس انتقال الصراع إلى أجواء العاصمة، مما يُربك خطط العودة الآمنة. بدلاً من أن تكون العودة مدخلاً لإعادة البناء، أصبحت تهديداً قائماً بسبب التحليق المستمر للمسيرات. فهجوم واحد على مطار الخرطوم الدولي قبل افتتاحه أدى إلى تعطيل الرحلات، ما يُظهر هشاشة الأوضاع الأمنية”.
التأثير على النازحين والمجتمع المدني بات واضحاً: خروج آلاف كانوا يخططون للعودة بات مهدداً، وتكوين «حالة خوف» تدفع بالمزيد للتمسّك بالبقاء خارج العاصمة أو المقاطعة الكُليّة. وفي ظلّ هذا الواقع، تبدو العودة الطوعية حتى إن أُطلقت، متعثّرة، إذ أن السلام الأمني شرط أساسي لها، والسماء لا تزال تشهد حلقات من التوتر.
التحليق المستمر للطيران المُسيّر فوق الخرطوم، خاصة بعد قصف مطارها، ساهم بشكل كبير في إفشال خُطط العودة الطوعية، لكنه ليس السبب الوحيد. فالعديد من الشهادات تؤكد أن العاصمة تعاني من انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، إلى جانب الانفلات الأمني الخطير، وانتشار النهب والعصابات المسلحة. كما أن غياب الوظائف ومصادر الدخل جعل من العودة مغامرة محفوفة بالمخاطر، خاصة في ظل غياب أي تصور حكومي واضح لإعادة الإعمار أو تأمين سبل العيش الكريم، ما يجعل الخرطوم مدينة أشباح يصعب الاستقرار فيها حالياً.
العودة الحقيقية لا تتحقق إلا في ظل استقرار كامل وسلام شامل، يضمن للمواطن الأمن على حياته وكرامته
وفي خضمّ هذه التطورات، تتجه المفاوضات المنعقدة في واشنطن إلى ضرورة تضمين بنود الأمن الجوي ومنع استخدام المسيرات كمحور أساسي لأي تسوية. فإذا نجحت الوساطة في مفاوضة ذاك الملف، ثمّ أمن وصول العائدين وحمايتهم من الهجمات، فقد يبدأ واقع العودة يتغيّر. وإلّا، فإن سماء الخرطوم الغارقة في الدخان ستكون شاهدةً على فشل خطة العودة الطوعية.
العودة الحقيقية لا تتحقق إلا في ظل استقرار كامل وسلام شامل، يضمن للمواطن الأمن على حياته وكرامته، ويؤمّن له سبل العيش الكريم. فلا عودة دون طمأنينة، ولا طمأنينة دون دولة تُنهي الحرب وتكفل الحقوق، وتعيد بناء ما دمّرته النزاعات والمعاناة.




