رأي

تكتيك الدعم السريع في ملف التفاوض ومفاجأة بارا.. ضربة استراتيجية أربكت معسكر الفلول

التحليل السياسي: عمار سعيد

في خضم التعقيدات السياسية والعسكرية التي تحيط بملف الحرب في السودان، برز تكتيك قوات الدعم السريع كأحد أكثر الأساليب دهاءً واحترافية في إدارة ملف التفاوض والحرب في آنٍ واحد. فبينما انشغل وفد الفلول في واشنطن بمحاولات تسويق خطابهم التقليدي حول “الحل العسكري”، فاجأت قوات الدعم السريع الجميع بتحرير مدينة بارا في خطوة شكلت تحولًا استراتيجيًا أربك حسابات معسكر البرهان وأحدث ارتباكًا واضحًا في صفوف وفده التفاوضي.

التحليل المبدئي يشير إلى أن الدعم السريع لم يتعامل مع التفاوض بوصفه مجرد مسار سياسي بل كـ ساحة موازية للمعركة الميدانية، حيث استخدم ذكاءً تفاوضيًا يقوم على قاعدة “اكسب الأرض واكسب الشرعية”. فقبوله بمقترح الرباعية لوقف إطلاق النار، في الوقت الذي رفضه فيه وفد البرهان، لم يكن تنازلًا بل كمينًا دبلوماسيًا محكمًا جعل المجتمع الدولي يرى بوضوح من يقف في صف الحل السلمي ومن يعرقله.

هذا التكتيك المزدوج ـ الجمع بين المرونة السياسية والحسم الميداني ـ منح الدعم السريع تفوقًا واضحًا في ميزان المصداقية الدولية. فبينما يتحدث العالم عن وقف إطلاق النار والانتقال السياسي، نجحت قوات الدعم السريع في رسم مشهد جديد على الأرض بتحرير الفرقة السادسة في الفاشر، لتؤكد أنها لا تفاوض من موقع الضعف بل من موقع المنتصر الذي يفرض الوقائع لا يتلقى الإملاءات.

الرباعية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات) كانت تترقب مدى التزام الأطراف بمقترحها، وجاء رفض وفد الفلول ليؤكد عزلتهم السياسية ويضعهم في خانة المعطلين للسلام. أما الدعم السريع، فقد خرج من هذه الجولة بذكاء تكتيكي نادر، إذ وضع خصومه في شرك دبلوماسي دولي جعل استمرار عملياته العسكرية لتحرير ما تبقى من المناطق يبدو مبررًا ومشروعًا في نظر الرأي العام العالمي.

تحرير بارا ثم الفرقة السادسة في الفاشر لم يكونا مجرد انتصارات عسكرية، بل رسائل سياسية عالية الدقة مفادها أن الدعم السريع يتحرك ضمن استراتيجية شاملة تجمع بين الضغط الميداني والذكاء التفاوضي. ومع اتساع رقعة السيطرة في دارفور وكردفان، تتهاوى آخر أوراق البرهان وفلوله، لتصبح الهزيمة السياسية والعسكرية مجرد مسألة وقت.

باختصار، يمكن القول إن قوات الدعم السريع نجحت في تحويل التفاوض من فخ إلى فرصة، ومن منبر ضغط إلى سلاح ناعم موازٍ للبندقية. هذا التكتيك المركب جعلها تتقدم بثبات نحو تحقيق أهدافها الإستراتيجية، بينما غرق خصومها في ارتباك القرار وتناقض الخطاب، لتؤكد مجددًا أن من يملك الرؤية لا يحتاج إلى كثرة الكلام، بل إلى خطوات محسوبة تصنع الفرق في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!