
عباس احمد السخي
لم تكن الجبرية في السودان محض تيار فكري أو انحراف في الفهم الديني، بل تحولت – في يد الإخوان المسلمين والتيارات السلفية المتحالفة معهم – إلى أداة سياسية فعالة لترويض الجماهير، وتبرير الظلم، وتحصين الحاكم من أي مساءلة، تحت لافتة “عدم جواز الخروج على السلطان”، ولو كان غاشمًا، فاسدًا، سارقًا، أو قاتلًا لشعبه.
الدين حين يُختزل في طاعة السلطان
كرّس الإخوان المسلمون طوال ثلاثين عامًا من حكمهم خطابًا دينيًا جبريًا، يُغلف الاستبداد السياسي بلبوس شرعي، ويصوّر معارضة الحاكم على أنها خروج عن الجماعة، ورفض للقدر، بل وعدوان على إرادة الله. واستندوا إلى أحاديث موضوعة أو منتزعة من سياقها، مثل مفاهيم الحاكمية لله والإسلام هو الحل، واسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك. وقد تكررت هذه العبارات في منابر الجمعة، ووسائل الإعلام الرسمية، وخطب مشايخ السلطان الذين تحوّلوا إلى أبواق دعائية للنظام، لا حراساً للدين أو القيم.
والنتيجة أن العقل السوداني حُوصر في دائرة من الخوف والتردد، وظلت الجموع تركع للسلطان باسم الدين، وتخشى أن تطالب بحقها مخافة أن “تغضب الله”، فكان الدين نفسه يُوظف ضد العدالة، وتحولت المفاهيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والكرامة والمساواة إلى “بدع حداثية” يجب الحذر منها.
الدكتور عمر القراي: حين أراد العقل أن ينهض فاجتمعت عليه جيوش الظلام
بلغ التوظيف السياسي للجبرية ذروته خلال حكومة الثورة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر المجيدة، حين تولّى الدكتور عمر القراي إدارة المركز القومي للمناهج، وسعى جادًا إلى تحديث المنهج التربوي في السودان، ليُحرر العقل من الخرافة، ويزرع في التلاميذ قيم التفكير النقدي، والتعددية، والقدرة على الفهم والتحليل بدلًا من التلقين.
لكن هذا المشروع التنويري تعرّض لهجمة ضارية قادها الإخوان المسلمون وأنصارهم من تيارات سلفية، وفي مقدمتهم السلفي الانتهازي محمد الأمين إسماعيل، الذي قدّم للعالم مشهداً هزلياً – تراجيديًا في آن – حين انفجر باكيًا على المنبر، محتجًا على أن المنهج الجديد يتضمن لوحة تاريخية للرسام مايكل أنجلو، ضمن سياق تعليمي عن حركة التنوير الأوروبية، وكأن الهدف هو تدمير العقيدة، لا بناء الوعي.
تحولت تلك الحملة إلى محكمة تفتيش شعبية ضد القراي، مدعومة بأبواق إعلامية مأجورة، وفتاوى تكفيرية، وهستيريا جماعية حركتها منظومة الجبرية التي تخشى أن يُفكر الناس، وتريد تلاميذ السودان أسرى للغيب، لا أحرارًا في الحاضر والمستقبل.
الطائفية كحليف دائم للجبرية
ولم تكن الجبرية حكرًا على الإخوان، بل وجدت مرتعًا خصبًا داخل الطائفية التقليدية ممثلة في الأنصار والختمية، حيث تحوّل الولاء للزعيم إلى طاعة مقدسة، وتحول الإمام والمرشد إلى شبه وسيط بين الناس وربهم. هذه الطائفية كرّست بدورها الامتثال لا النقد، والاتباع لا المبادرة، والتسليم لا التفكير، مما جعلها بيئة أخرى لتعطيل العقل، ومنع تشكل الوعي السياسي والوجداني الحر.
ومع أن بعض أبناء الطائفة الأنصارية لعبوا أدوارًا مشهودة في الثورة، إلا أن القيادات العليا ظلت في الغالب أسيرة معادلة الجبر والزعامة، تهادن السلطة وتناور باسم الحكمة، بينما الشباب في الساحات يسفكون دماءهم من أجل الحرية.




